top of page

العدالة لمن يملك القوة؟ قضية إبستين والوعي السياسي لعرب48

  • Writer: اديب الناطور
    اديب الناطور
  • Feb 15
  • 9 min read


المقدّمة: لماذا تهمّ قضية جيفري إبستين مجتمع عرب48؟

قد تبدو قضية جيفري إبستين – الملياردير الأميركي المتهم بإدارة شبكة عالمية للاستغلال الجنسي – بعيدة للوهلة الأولى عن الواقع اليومي للفلسطينيين المواطنين في إسرائيل (عرب48). إلا أنّ التمعّن في تفاصيلها يكشف أنّها تمسّ قضايا مألوفة جدًا لهذا المجتمع، وعلى رأسها: إفلات النخب القوية من المحاسبة، تسييس العدالة، وتهميش الفئات الضعيفة.

في أنظمة العدالة حول العالم، يُعدّ الإفلات من العقاب بالنسبة للأثرياء وأصحاب النفوذ ظاهرة بنيوية متكرّرة. تشير دراسات قانونية مقارنة إلى أنّ الإفلات من العقاب “ينكر العدالة على الضحايا” ويقوّض “ثقة الجمهور بالمؤسسات وبسيادة القانون”، كما يعمّق اللامساواة ويغذّي الفساد. عندما يرى أبناء الفئات الفقيرة أو المهمّشة أنّ مليارديرًا متهمًا بجرائم خطيرة ينجو من العقاب أو يُعاقَب عقابًا مخففًا، فإنّ ذلك يتقاطع مباشرة مع تجاربهم الذاتية مع العدالة الانتقائية.

بالنسبة لعرب48، الذين يشعر كثيرون منهم بأنهم يُعاملون كمواطنين من درجة ثانية رغم المساواة القانونية الشكلية، تبرز قضية إبستين كنموذج عالمي لاختلال موازين القوة. فالمجتمع العربي داخل إسرائيل يعاني من فجوات بنيوية واضحة: بلدات تعاني من نقص مزمن في الميزانيات، مدارس أقل تمويلًا، ونِسب فقر أعلى مقارنة بالمجتمع اليهودي. إلى جانب ذلك، يعيش العرب تجربة مركّبة مع أجهزة إنفاذ القانون، تتراوح بين “فرط في الشرطة” من حيث المداهمات والقوة، و“نقص في الحماية” حين يتعلّق الأمر بالجريمة المنظمة والعنف المستشري في بلداتهم.

في هذا السياق، فإنّ فكرة أن شبكة من الأثرياء والسياسيين تمكّنت من حماية إبستين لسنوات طويلة من الملاحقة القانونية تبدو مألوفة ومؤلمة في آن واحد. هذا المقال يقدّم تحليلًا معمّقًا لقضية إبستين، يبدأ بعرض وقائعي دقيق لسيرته وجرائمه كما تثبتها السجلات الرسمية، ثم ينتقل إلى قراءة سوسيولوجية–سياسية تهمّ القارئ العربي في الداخل الفلسطيني. يناقش المقال كيف تعكس هذه القضية أنماطًا عالمية من الحصانة النخبوية، وكيف تتقاطع مع تجربة عرب48 مع العدالة الانتقائية، كما يتناول دور الإعلام، وخطورة الانزلاق إلى تفسيرات هوياتية أو نظريات مؤامرة تُضعف الوعي النقدي بدل أن تعزّزه.


عرض وقائعي: من هو جيفري إبستين؟

جيفري إدوارد إبستين (1953–2019) كان ممولًا أميركيًا راكم ثروة هائلة وشبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية نافذة. بدأ مسيرته المهنية كمدرّس رياضيات، ثم عمل في مؤسسات مالية في “وول ستريت” مثل شركة بير ستيرنز، قبل أن يؤسس شركة استثمار خاصة به لإدارة أموال عملاء فاحشي الثراء. بحلول تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، أصبح إبستين شخصية معروفة في أوساط النخب الأميركية والدولية، يتنقّل بين السياسيين، ورجال الأعمال، وأفراد من العائلات الملكية، ومشاهير عالميين.

بحسب إفادات قضائية لاحقة قدّمتها بعض ضحاياه، زُعم أنّ إبستين، بمساعدة شريكته المقربة غيسلين ماكسويل، نظّم لقاءات جنسية لرجال “أثرياء ونافذين”، شملت – وفق الادعاءات – سياسيين وأكاديميين ورجال أعمال وأفرادًا من عائلات ملكية. هذه الادعاءات، مع التأكيد على أنّ كثيرًا من المتهمين أنكروا تورّطهم، شكّلت جزءًا من الصورة العامة لشبكة علاقات إبستين.

مصادر ثروة إبستين بقيت غامضة إلى حدّ كبير. المعروف أنّه استثمر في صناديق تحوّط، وشارك في صفقات مالية دولية، من بينها وساطات في مجال تقنيات أمنية. ما هو ثابت أنّه، في منتصف حياته، كان يمتلك عقارات فاخرة في نيويورك، وفلوريدا، ونيو مكسيكو، وجزيرة خاصة في جزر العذراء الأميركية، ويتمتع بنفوذ يفوق ما هو مألوف لشخص يعمل خارج أي منصب رسمي.

بدأت قضيته الجنائية بالظهور إلى العلن في منتصف العقد الأول من الألفية. في آذار/مارس 2005، فتحت شرطة مدينة بالم بيتش في ولاية فلوريدا تحقيقًا بعد أن أبلغت عائلة فتاة في الرابعة عشرة من عمرها عن تعرّضها لاعتداء جنسي داخل منزل إبستين. لاحقًا، أدلت فتيات قاصرات أخريات بإفادات متشابهة، ذكرن فيها أنّ إبستين كان يدفع لهن مقابل “جلسات تدليك” تحوّلت إلى اعتداءات جنسية.

في صيف ذلك العام، وجّهت هيئة محلفين كبرى تهمة واحدة لإبستين تتعلق بالتحريض على الدعارة. في خطوة أثارت استياءً واسعًا داخل أجهزة إنفاذ القانون نفسها، اتهمت قيادات في شرطة بالم بيتش الادعاء العام بمنح إبستين معاملة تفضيلية، بعد التوجّه نحو صفقة ادعاء بدل السعي إلى توجيه تهم فيدرالية أشد خطورة.

في حزيران/يونيو 2008، توصّل إبستين إلى صفقة ادعاء مثيرة للجدل. أقرّ بالذنب في تهمتين جنائيتين على مستوى الولاية: التحريض على الدعارة، والتحريض على الدعارة من قاصر. حُكم عليه بالسجن 18 شهرًا، لكنه قضى فعليًا 13 شهرًا فقط، معظمها ضمن برنامج “الإفراج للعمل”، الذي سمح له بمغادرة السجن يوميًا للعمل في مكتبه والعودة ليلًا. الأهم من ذلك، أنّ الصفقة تضمّنت اتفاقًا سريًا بعدم ملاحقته فيدراليًا عن الجرائم نفسها، وهو ما أثار غضب الضحايا وممثليهم القانونيين لاحقًا.

خلال العقد التالي، بقي إبستين حرًّا إلى حدّ كبير. حاولت ضحاياه عبر دعاوى مدنية الطعن في اتفاق عدم الملاحقة، فيما أعادت تحقيقات صحافية استقصائية – أبرزها تحقيق صحافية أميركية في عام 2018 – تسليط الضوء على القضية. أخيرًا، في 6 تموز/يوليو 2019، أُلقي القبض عليه في نيويورك بتهم فيدرالية تتعلق بالاتجار الجنسي بقاصرات، شملت اتهامات بالاعتداء على عشرات الفتيات على مدى سنوات طويلة. أوضح الادعاء الفيدرالي أنّ اتفاق 2008 لا يحميه من هذه التهم الجديدة.

لكن إبستين لم يمثل للمحاكمة. في 10 آب/أغسطس 2019، عُثر عليه ميتًا في زنزانته في سجن فيدرالي بنيويورك. خلص التحقيق الرسمي إلى أنّ الوفاة كانت نتيجة انتحار. ورغم سيل الشكوك والتكهنات التي أعقبت وفاته، لم تُقدَّم أدلة موثوقة تنقض النتيجة الطبية الرسمية. لاحقًا، حُوكمت غيسلين ماكسويل، شريكته السابقة، وأُدينت في قضايا اتجار جنسي وحُكم عليها بالسجن لمدة طويلة، ما وفّر قدرًا جزئيًا من العدالة للضحايا، دون أن يبدّد الأسئلة حول من حمى إبستين لسنوات.


السلطة، الحماية، وتطبيق القانون الانتقائي

تكشف قضية جيفري إبستين، عند تحليلها خارج الإطار الجنائي الضيق، عن نمط بنيوي أوسع يتمثل في الحماية التي تحظى بها النخب الاقتصادية والسياسية داخل الأنظمة الليبرالية المعاصرة. فالمسألة لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل بشبكة علاقات مؤسساتية سمحت له بتفادي المساءلة الجدية لسنوات طويلة، رغم وجود شكاوى موثقة وإفادات متعددة من ضحايا قاصرات.

تشير الأدبيات القانونية النقدية إلى أن العدالة لا تُمارَس في فراغ، بل ضمن علاقات قوة غير متكافئة. فالأثرياء وذوو النفوذ يمتلكون موارد قانونية، سياسية، وإعلامية تمكّنهم من “إدارة المخاطر القانونية” بطرق لا تتوفر للمواطنين العاديين. في حالة إبستين، تجلّت هذه القدرة في صفقة الادعاء لعام 2008، التي وفّرت له عقوبة مخففة بشكل استثنائي، ومنحته حصانة فعلية من الملاحقة الفيدرالية، دون علم الضحايا في حينه.

تصف دراسات في علم الاجتماع القانوني هذه الظاهرة بمفهوم “العدالة الانتقائية”، حيث تُطبّق القوانين بصرامة على الفئات الضعيفة، بينما تُفسَّر أو تُخفَّف عند التعامل مع النخب. هذا النمط ليس استثناءً أميركيًا، بل ظاهرة عالمية مرتبطة بتزاوج رأس المال مع السلطة السياسية. في هذا السياق، تصبح الجريمة “قابلة للإدارة” إذا ارتكبها أصحاب النفوذ، بينما تتحول إلى “تهديد أمني” إذا صدرت عن المهمّشين.

بالنسبة لعرب48، فإن هذا التحليل ليس نظريًا فقط. تشير تقارير حقوقية وأبحاث أكاديمية إلى وجود فجوة عميقة في تعامل الدولة مع المواطنين العرب مقارنة بالمواطنين اليهود. فمن جهة، يعاني المجتمع العربي من فرط في استخدام أدوات الضبط والقوة الشرطية، خاصة في حالات الاحتجاج السياسي أو “الاشتباه الأمني”. ومن جهة أخرى، يشكو هذا المجتمع من غياب الحماية الفعالة عندما يتعلق الأمر بالجريمة المنظمة، وانتشار السلاح، والعنف الداخلي، حيث تُسجَّل نسب كشف جرائم قتل متدنية بشكل لافت في البلدات العربية.

هذا التناقض – بين الإفراط في السيطرة ونقص الحماية – يعمّق الشعور بأن القانون لا يعمل كأداة مساواة، بل كآلية ضبط سياسي واجتماعي. حين يرى المواطن العربي أن مليارديرًا أميركيًا متهمًا بالاعتداء على عشرات القاصرات يُمنح معاملة استثنائية، بينما يُعتقل شبان عرب لفترات طويلة بناءً على شبهات ضعيفة، فإن المقارنة تصبح تلقائية، حتى لو اختلف السياق الجغرافي.

قضية إبستين، إذًا، تتيح لعرب48 قراءة عالمية لتجربتهم المحلية: العدالة ليست غائبة، لكنها موزَّعة بشكل غير عادل.


السرديات الإعلامية وسياسات الهوية

لعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الفهم العام لقضية إبستين. فقد ركّزت وسائل إعلام دولية على تفاصيل نمط حياته الفاخر، وعلاقاته مع سياسيين ومشاهير، وطبيعة جرائمه الصادمة. في المقابل، شهدت التغطية الإعلامية في بعض المنصات انزلاقًا نحو تأطير القضية من خلال هوية إبستين الدينية أو الإثنية، بدل التركيز على البُعد البنيوي للجريمة.

تحذّر دراسات الإعلام النقدي من خطورة هذا النوع من السرديات، لأنها تُحوّل الجريمة من نتاج منظومة قوة غير متكافئة إلى “صفة ثقافية” أو “انحراف جماعي”. عندما يُربط السلوك الإجرامي بهوية دينية أو قومية، فإن ذلك يساهم في شيطنة جماعات كاملة، ويُعفي البُنى الاقتصادية والسياسية من المساءلة.

في السياق العربي داخل إسرائيل، وجدت هذه السرديات طريقها إلى بعض النقاشات الشعبية ووسائل التواصل الاجتماعي. أحيانًا، جرى توظيف القضية لتغذية تصورات تبسيطية عن “فساد النخب الغربية” أو “انحلال أخلاقي مرتبط بهوية معينة”. مثل هذه القراءات، رغم أنها قد تعبّر عن غضب مفهوم، إلا أنها تفتقر إلى الدقة التحليلية، وتعيد إنتاج منطق التعميم الذي يعاني منه العرب أنفسهم.

الأهم من ذلك، أن التركيز على الهوية يصرف الانتباه عن السؤال المركزي: كيف تعمل شبكات السلطة؟ كيف تُدار العدالة؟ ومن يستفيد من تغييب المساءلة؟ هذه الأسئلة هي الأكثر صلة بتجربة عرب48، لأنها تمسّ جوهر علاقتهم بالدولة وبمؤسساتها.


منظور عرب48: الثقة، الشك، والوعي السياسي

تتشكّل نظرة عرب48 إلى قضايا من نوع قضية إبستين ضمن سياق تاريخي طويل من الشك المتراكم تجاه مؤسسات الدولة والسلطة. لا ينبع هذا الشك من فراغ، بل من تجربة جماعية تتسم بالتناقض بين المواطنة القانونية المعلَنة والممارسة الفعلية للسياسات العامة. في هذا الإطار، تُقرأ القضايا العالمية الكبرى ليس فقط بوصفها أحداثًا خارجية، بل كمرايا تعكس واقعًا محليًا مألوفًا.

تشير دراسات سوسيولوجية حول العرب المواطنين في إسرائيل إلى أن مستوى الثقة بالمؤسسات الرسمية – مثل الشرطة، والنيابة العامة، والجهاز القضائي – أقل بشكل ملحوظ مقارنة بالأغلبية اليهودية. هذا الانخفاض في الثقة يرتبط بتجارب ملموسة: تحقيقات لا تُغلق، شكاوى لا تُتابَع، وجرائم خطيرة لا يُحاسَب مرتكبوها. في المقابل، تُظهر هذه المؤسسات قدرًا كبيرًا من الحزم عندما يتعلق الأمر بقضايا أمنية أو سياسية يكون المتهمون فيها من العرب.

في هذا السياق، تُستقبل قضية إبستين بوصفها تأكيدًا إضافيًا على ما يُنظر إليه كـ “قاعدة غير مكتوبة”: القوة تحمي نفسها. فالصمت الذي أحاط بإبستين لسنوات، والتأخير في محاسبته، ثم موته قبل المحاكمة، كلها عناصر تعزّز الشعور بأن العدالة ليست مسألة قانون فقط، بل مسألة موقع اجتماعي ونفوذ سياسي.

من جهة أخرى، يُظهر المجتمع العربي في الداخل درجة عالية من الوعي السياسي النقدي، تجلّت تاريخيًا في نشاط الأحزاب العربية، والحركات الأهلية، والمنظمات الحقوقية. هذا الوعي يسمح بقراءة قضية إبستين ليس كفضيحة أخلاقية معزولة، بل كجزء من منظومة عالمية أوسع تُدار فيها المصالح فوق الاعتبارات الأخلاقية. إلا أن هذا الوعي يظل مهددًا حين يُختزل التحليل في التفسير الهوياتي أو العاطفي، بدل التحليل البنيوي المتماسك.


الذعر الأخلاقي مقابل التحليل البنيوي

يميل الخطاب العام، في حالات الجرائم الجنسية الكبرى، إلى الوقوع في ما يسميه علماء الاجتماع “الذعر الأخلاقي”. في هذا النمط من الخطاب، يُقدَّم الجاني بوصفه “وحشًا استثنائيًا”، وتُصوَّر الجريمة كخلل أخلاقي فردي أو ثقافي، بدل النظر إليها كنتيجة لشروط اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة.

في حالة إبستين، كان من السهل – إعلاميًا وشعبيًا – التركيز على شخصيته، نمط حياته، أو انتمائه الاجتماعي، بدل مساءلة النظام الذي مكّنه. هذا التركيز يخلق وهمًا بالحل: إذا أُدين الفرد أو شُيطِن، يمكن للمجتمع أن يطمئن إلى أن المشكلة انتهت. لكن التحليل البنيوي يكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فرد واحد، بل في شبكة علاقات عابرة للحدود، تربط رأس المال بالسياسة، وتوفر الحماية المتبادلة للنخب.

بالنسبة لعرب48، يحمل هذا الدرس أهمية خاصة. فلطالما وُجِّهت إلى المجتمع العربي تفسيرات ثقافوية لمشكلات بنيوية، مثل العنف أو الجريمة، وكأنها ناتجة عن “ثقافة” لا عن سياسات تهميش، وفقر، وتقصير مؤسساتي. التركيز على هوية إبستين الدينية أو الإثنية يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي يُستخدم ضد العرب: تحويل المشكلة من بنية سلطة إلى “عيب ثقافي”.

التحليل البنيوي، في المقابل، يفتح المجال لفهم أعمق وأكثر عدالة. إنه يسلّط الضوء على دور الرأسمالية المتوحشة، والعولمة غير المنضبطة، وتسييس أجهزة العدالة، في إنتاج بيئات تسمح بالاستغلال والإفلات من العقاب.


مخاطر التضليل والمعلومات المضللة وأثرها على المجتمع

أحد أخطر تداعيات القضايا المعقّدة مثل قضية إبستين هو انتشار نظريات المؤامرة والمعلومات غير الموثوقة. فحين تغيب الشفافية، أو حين تكون الوقائع صادمة، يميل الجمهور إلى البحث عن تفسيرات شاملة وبسيطة، حتى لو كانت غير مدعومة بالأدلة.

في المجتمع العربي داخل إسرائيل، يمكن لمثل هذه السرديات أن تلحق ضررًا مضاعفًا. فمن جهة، قد تُستخدم لتغذية خطاب كراهية أو تعميمات تضر بالنسيج الاجتماعي. ومن جهة أخرى، قد تقوّض المصداقية السياسية للمجتمع العربي في نضاله من أجل المساواة والعدالة، إذا ما ارتبط خطابه العام بتفسيرات غير علمية أو اتهامات جماعية.

تشدد دراسات في التربية الإعلامية على أهمية التمييز بين الحقائق المثبتة والادعاءات غير المؤكدة. في حالة إبستين، من الضروري الاعتماد على مصادر موثوقة: سجلات المحاكم، التحقيقات الصحافية الاستقصائية المعروفة، والأبحاث الأكاديمية. كما يُعدّ طرح الأسئلة النقدية – من دون القفز إلى استنتاجات جاهزة – أداة أساسية لحماية الوعي الجمعي.

تعزيز الثقافة النقدية داخل المجتمع العربي، خاصة بين الشباب، لا يخدم فقط فهم القضايا العالمية، بل يعزّز أيضًا القدرة على مواجهة الخطاب التحريضي محليًا، سواء كان موجّهًا ضد العرب أو صادرًا عن بعضهم.


الخلاصة: الدروس المستفادة للوعي السياسي والاجتماعي لدى عرب48

تقدّم قضية جيفري إبستين، عند قراءتها قراءة نقدية متأنية، أكثر من مجرد سردية عن جريمة فردية أو فضيحة أخلاقية. إنها تكشف عن خلل بنيوي عميق في أنظمة العدالة المعاصرة، حيث تُمنح الحصانة غير المعلنة للنخب الاقتصادية والسياسية، بينما تُطبَّق القوانين بصرامة – وأحيانًا بقسوة – على الفئات الأضعف. هذا الخلل ليس حكرًا على الولايات المتحدة أو “الغرب”، بل هو ظاهرة عالمية تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب السياق السياسي والاجتماعي.

بالنسبة لعرب48، تحمل هذه القضية دلالات خاصة. فهي تعكس تجربة مألوفة مع العدالة الانتقائية، حيث لا تُقاس المساءلة القانونية بخطورة الفعل وحده، بل بمكانة الفاعل. إن رؤية ملياردير متهم بجرائم استغلال جنسي لقاصرات يتمتع بحماية مؤسساتية لسنوات، ثم يموت قبل أن يُحاسَب، تعزز الشعور بأن العدالة ليست محايدة، بل خاضعة لموازين القوة.

لكن الدرس الأهم لا يكمن في الغضب أو الإحباط فقط، بل في كيفية تحويل هذا الفهم إلى وعي سياسي ناضج. فقضية إبستين تُظهر خطورة الانزلاق إلى تفسيرات هوياتية أو ثقافوية تُبسّط الواقع وتشوّه التحليل. التركيز على الدين أو القومية أو الخلفية الثقافية للجاني لا يفسّر كيف عملت شبكة الحماية، ولا كيف صمتت مؤسسات، ولا لماذا فشلت العدالة في أداء دورها. بل على العكس، هذا النوع من الخطاب يُعيد إنتاج المنطق نفسه الذي يُستخدم لتهميش العرب ووصمهم جماعيًا.

التحليل البنيوي، القائم على فهم العلاقات بين رأس المال والسلطة والقانون، يقدّم بديلاً أكثر فاعلية. إنه يسمح لعرب48 بربط تجربتهم المحلية بنقاش عالمي أوسع حول العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، ومساءلة النخب. كما يوفّر أدوات فكرية لمواجهة الخطاب العنصري أو التبريري، سواء كان موجّهًا ضدهم أو صادرًا عن بعضهم بدافع الغضب أو اليأس.

على المستوى العملي، تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة القانونية والإعلامية داخل المجتمع العربي. فالفهم الدقيق للوقائع، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والشائعات، والقدرة على قراءة الإعلام قراءة نقدية، كلها عناصر أساسية لحماية الوعي الجمعي. في زمن تنتشر فيه الأخبار المضللة بسرعة، يصبح التمسك بالتحليل الرصين فعلًا سياسيًا بحد ذاته.

في النهاية، لا تعني دراسة قضية إبستين أن عرب48 معنيون بها بوصفهم متفرجين على مأساة بعيدة، بل بوصفهم جزءًا من عالم تُدار فيه السلطة بآليات متشابهة، وإن اختلفت السياقات. إن استخلاص العبر من هذه القضية يمكن أن يسهم في بناء خطاب عربي داخلي أكثر ثقة بنفسه، أكثر دقة في تحليله، وأقدر على المطالبة بعدالة حقيقية لا تميّز بين قوي وضعيف.

Comments


من 48 - عشان 48

  • Facebook
  • Instagram
bottom of page