المجاملات العربية قتلتنا؛ من أم الفحم لجنين، بس خط على الخريطة
- محمود النجار

- Aug 9
- 4 min read

نتنياهو اليوم رجع وقال نفس الكلام اللي من سنين وإحنا بنسمعه منه ومن اللي بفكّروا زيه: طول ما أنا رئيس حكومة، ما رح أسمح بإقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية.
يمكن بالنسبة لكثير ناس هاي مجرد مواقف سياسية جديدة من نتنياهو، جملة ثانية بين آلاف الجمل اللي سمعناها خلال السنين. بس بالنسبة إليّ، كفلسطيني عربي من الـ48، هاي الجملة مش بس تهديد سياسي. هاي الجملة بتخليني، ولو لمرة، بدل ما ألوم إسرائيل بس، أطلع على حالنا وأسأل: إحنا شو عملنا خلال أكثر من سبعين سنة؟
خلينا نحكيها بصراحة: المجاملات العربية قتلتنا.
إلنا خمسة وسبعين سنة وإحنا الفلسطينيين بنجامل بعض، وبنجامل إخوتنا العرب كمان. سنين وإحنا بنحكي عن الوحدة العربية، والوحدة الفلسطينية، والأخوّة، والأرض الواحدة والشعب الواحد؛ بس بالواقع، رسمنا بين بعض حدود لدرجة إنه اليوم فلسطيني الـ48، والفلسطيني بالضفة، والفلسطيني بغزة، أحيانًا صاروا كأنهم ثلاث شعوب منفصلة، مش ثلاثة أجزاء من نفس الشعب.
شو هالحدّ المضحك بين أم الفحم وجنين؟
مجرد خط على الخريطة.
وشو هالجدار المضحك بين قلنسوة وطولكرم؟
كم كيلومتر بس، بس بينهم عشرات السنين من الفصل السياسي.
وشو هالمفارقة المرة بين سديروت وبيت حانون؟ مدينتين قريبين من بعض لدرجة إنه أحيانًا ممكن تشوف الطرف الثاني من الشباك، بس الناس اللي عايشين بينهم صاروا عايشين بعالمين مختلفين تمامًا.
إحنا ما اخترنا هاي الحدود. بس مع السنين، تعودنا عليها.
أنا عربي فلسطيني من الـ48 وبعيش داخل إسرائيل. أخوي الفلسطيني بجنين أو طولكرم، على الطرف الثاني من الخط الأخضر. وقريب إلي ممكن يكون بغزة. لغتنا وحدة، تاريخنا واحد، وذكريات عائلاتنا متشابكة، وحتى أسماء كثير من عائلاتنا وحدة. بس السياسة فصلتنا عن بعض لدرجة إنه صرنا أحيانًا نتعامل مع بعض كأن ما إلنا أي علاقة ببعض.
وهون لازم نكون صريحين مع حالنا.
إحنا عرب الـ48 مش بس ضحايا؛ إحنا كمان عندنا قوة سياسية.
عنا صوت انتخابي. عنا ممثلين. عنا أحزاب. وعنا إمكانية نكون بالكنيست. بنقدر نشارك بالانتخابات ونأثر على ميزان القوى السياسي داخل إسرائيل. يمكن ما نقدر لحالنا نغيّر كل شيء، ويمكن ما نقدر نوقف حرب بدأت بين يوم وليلة، بس ليش ما نستعمل بالشكل الكافي الأداة القانونية والديمقراطية الوحيدة اللي موجودة بإيدينا؟
إذا اليمين المتطرف دمّر حياتنا، لازم نسأل حالنا: ليش كل مرة بنسمح له يرجع على الحكم؟
ليش نقاطع الانتخابات، أو ما نصوّت، أو نبعثر الصوت العربي، وبعدين لما يوصل اليمين المتطرف للحكم، نقعد بس نشكي: ليش سياساته ضدنا؟
أنا مش بقول إنه الانتخابات بتحل كل مشاكل فلسطين. اللي بقول هيك بكون بسّط الموضوع بشكل ما إله قيمة. بس بقول إنه إذا إحنا عايشين داخل إسرائيل، وإذا إحنا مواطنين فيها، وإذا إلنا ممثلين بالبرلمان، لازم نستعمل هاي الأدوات للدفاع عن حقوقنا وحقوق شعبنا الفلسطيني.
أعضاء الكنيست العرب لازم يكون عندهم التزام واضح وما فيه مجال للتفسير: إقامة دولة فلسطينية.
مش مجرد شعار انتخابي. ومش مجرد جملة بمؤتمر صحفي. لازم يصير التزام سياسي.
كل عضو عربي بالكنيست لازم يقدر يقول للناخب العربي: أنا دخلت البرلمان عشان أدافع عن حقوقك المدنية والاجتماعية، بس كمان ما نسيت قضية فلسطين. إقامة الدولة الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة لازم تكون جزء من أجندتي السياسية.
ليش هاي القضية مهمة لهالدرجة؟
لأنه طالما ما في دولة فلسطينية، العالم بدّه يتفق على شو؟
العالم بقدر يتفق على حدود دولة، وعلى سيادة دولة، وعلى أمن دولة، وعلى علاقات دولة، وعلى مستقبل دولة. بس لما يصير أصل وجود الدولة الفلسطينية نفسه موضوع ممنوع، عمليًا إحنا شلنا القضية الأساسية عن الطاولة.
إذا إسرائيل قدرت تمنع إقامة دولة فلسطينية إلى الأبد، فهي مش حلّت القضية الفلسطينية؛ هي بس خلّت القضية من غير حل.
وهذا بالضبط اللي ما لازم نسمح يصير.
إحنا عرب الـ48 لازم نفهم إنه بين مصيرنا وبين مصير الفلسطينيين بالضفة وغزة في علاقة حقيقية. يمكن هوياتنا وأوراقنا مختلفة، ويمكن القوانين اللي بتحكم حياتنا مختلفة، بس تاريخنا ومستقبلنا ما بتقدر تفصلهم عن بعض بخط أخضر.
اليوم بقولوا: ما لازم تقوم دولة فلسطينية.
بكرا ممكن يقولوا: الفلسطينيين بالضفة ما إلهم حق بالسيادة.
وبعد بكرا ممكن يقولوا: عرب الـ48 كمان فلسطينيين أكثر من اللازم، ومش إسرائيليين بما فيه الكفاية.
وبعدين شو؟
هل نستنى لحد ما ييجي هداك اليوم ونصحى؟
عن جد بنفكر إنه سحب الجنسية، أو طرد الناس، أو بناء رواية قانونية وأمنية ضدهم، بده معجزة أو بده سبب صعب يلاقوه؟ اليوم ممكن واحد يقول: هذا مستحيل يصير. بس التاريخ علّمنا إنه ما في أي مجتمع لازم يبني أمانه السياسي على فكرة «هذا الشيء مستحيل يصير معنا».
إذا ضلينا ماشيين بنفس الطريق، وإذا استمرت التيارات المتطرفة تاخذ قوة أكبر كل يوم، ما في أي ضمان إنه بعد عشرين سنة نكون لسه واقفين هون وبنحكي عن حقوقنا كمواطنين. ممكن ييجي يوم حدا يقول: هذا المكان مش للفلسطينيين؛ روحوا على لبنان أو الأردن أو مصر.
والحجة؟ بلاقولها.
عشان هيك القضية مش بس غزة.
ومش بس الضفة الغربية.
ومش بس الدولة الفلسطينية.
القضية هي إحنا.
لازم نخلص من المجاملات.
المجاملة مع إسرائيل، والمجاملة مع الأحزاب العربية، والمجاملة مع بعض، وحتى المجاملة مع حالنا.
إذا عنا صوت، لازم نصوّت.
إذا عنا ممثلين، لازم نحاسبهم.
إذا عنا أحزاب عربية، لازم نطلب منها برنامج سياسي واضح.
وإذا عضو عربي بدّه يدخل الكنيست، لازم يعرف إنه الصوت اللي أخذه مش بس عشان يجيب ميزانية للبلدية أو يزبط شارع؛ ورا هذا الصوت شعب كامل لسه قضيته ما انحلّت.
ما بنقدر كل أربع سنين نصوّت، وبعدها أربع سنين نسكت.
لازم نطلب من ممثلينا إنهم يحطوا إقامة الدولة الفلسطينية كطلب ثابت وما فيه مجال للمساومة.
يمكن ما نقدر نغيّر كل شيء.
بس بنقدر نغيّر ميزان القوى.
وإذا بدنا في يوم من الأيام الفلسطينيين يرجعوا يقفوا جنب بعض، يمكن لازم نبدأ هالمرة من المكان اللي لسه بإيدنا فيه أداة قانونية: صندوق الاقتراع.
أم الفحم وجنين ما بقدر يفصل بينهم خط على الخريطة.
قلنسوة وطولكرم ما بقدر يفصل بينهم جدار سياسي عن تاريخهم المشترك.
والفلسطيني ما بقدر يفصلوه عن الفلسطيني، بس لأنه في سنة 1948 أو 1967 السياسيين رسموا لنا حدود.
هالمرة دورنا إحنا نتجاوز الحدود اللي فرضوها علينا؛ مش بالشعارات، ومش بالمجاملات، وإنما بالسياسة.
لأنه إذا إحنا اليوم ما قررنا مستقبلنا بإيدينا، بكرا غيرنا رح يقرر عنا.
Comments