المشكلة ليست في حماية نتنياهو… بل في حماية عائلته بعد نتنياهو
- اديب الناطور

- Aug 15
- 4 min read

في إسرائيل، لا تبدو حماية رئيس الحكومة أمراً يحتاج إلى كثير من التبرير. رئيس الحكومة شخصية مستهدفة بحكم منصبه، والدولة مسؤولة عن توفير الحماية له في مواجهة الأخطار التي قد تهدد حياته. لكن السؤال الذي تفرضه قضية عائلة بنيامين نتنياهو اليوم مختلف تماماً: ماذا يحدث عندما تنتهي ولاية رئيس الحكومة، بينما تبقى الحماية الأمنية لعائلته؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة للجدل في القرار الذي اتخذته اللجنة الوزارية لشؤون الشاباك في 16 يوليو/تموز 2026. فقد أقرت اللجنة، بناءً على توصية رئيس الشاباك دافيد زيني، استمرار الحماية الأمنية لبنيامين نتنياهو وزوجته سارة طوال حياته، فيما سيحظى نجلاه يائير وأفنر بالحماية لمدة خمس سنوات. والأهم أن القرار سيظل سارياً حتى إذا خسر نتنياهو الانتخابات المقبلة.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالدولة، من حيث المبدأ، تحمي «رئيس الحكومة» لأن لديه منصباً رسمياً ومسؤوليات عامة ومستوى مرتفعاً من المخاطر الأمنية. أما حماية عائلة رئيس الحكومة بعد انتهاء ولايته، فهي مسألة مختلفة تماماً. وعندما تمتد الحماية إلى الزوجة والأبناء لسنوات، بل تُمنح للزوجة طوال حياة الزوج، فإن السؤال لم يعد فقط: هل هناك تهديد أمني؟ بل يصبح أيضاً: أين تنتهي حماية الدولة لصاحب المنصب، وأين تبدأ حماية العائلة بوصفها عائلة صاحب السلطة؟
المثير للاهتمام أن هذا السؤال لا يأتي من خارج المؤسسة الإسرائيلية، بل من داخلها. فبحسب تقارير N12، كانت هناك جهات مهنية أمنية طالبت بأن يبقى مستوى الحماية مرتبطاً بمستوى التهديد الفعلي والمتغير، لكن القرار النهائي جاء خلافاً لهذا الموقف، بعد أن تبنى رئيس الشاباك دافيد زيني توصية تمنح الحماية الممتدة. كما ذكرت N12 أن القرار جاء بعد ضغوط كبيرة من جانب محيط نتنياهو وزوجته.
وهنا تصبح القضية أبعد من مجرد حراسة شخصية. عندما تختلف الجهات المهنية حول مستوى الخطر، ثم يُحسم الأمر سياسياً لصالح حماية أطول وأكثر اتساعاً، فإن السؤال يتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة الأمنية والقيادة السياسية: هل تبقى المعايير المهنية هي المرجع النهائي، أم يمكن للضغط السياسي أن يغير حدود الحماية التي توفرها الدولة؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن عائلة نتنياهو غير معرضة لأي تهديد. وليس من الضروري أيضاً رفض مبدأ حمايتها من حيث الأصل. لكن في دولة تدعي أن أجهزتها الأمنية تعمل وفق تقييمات مهنية، يصبح من المشروع تماماً السؤال عن الأساس الذي يبرر تحويل حماية مؤقتة مرتبطة بمستوى الخطر إلى ترتيب طويل الأمد يتجاوز حتى احتمال انتهاء ولاية رئيس الحكومة.
واللافت أكثر أن هذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها المسألة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2021، قررت لجنة الوزراء نفسها عدم تمديد الحماية لعائلة نتنياهو بعد انتهاء ولايته آنذاك، وقالت إن القرار جاء وفق مواقف الجهات الأمنية التي لم ترَ تهديداً يبرر استمرار الحماية. كما كان نتنياهو نفسه قد شن في ذلك الوقت حملة للمطالبة بتمديد حماية زوجته وابنيه.
ما تغير منذ ذلك الوقت ليس فقط الظروف الأمنية، بل أيضاً السياق السياسي وطبيعة العلاقة بين نتنياهو ومؤسسات الدولة. ولهذا فإن القرار الجديد يستحق النظر إليه باعتباره جزءاً من سؤال أكبر: إلى أي حد يمكن أن تتحول الامتيازات المرتبطة بمنصب رئيس الحكومة إلى امتيازات تمتد إلى أفراد الأسرة، بل وتستمر بعد زوال المنصب؟
هناك أيضاً البعد المالي.
وفق ما نشرته N12 في 18 يوليو/تموز، تقدر تكلفة حماية عائلة نتنياهو بأكثر من 4.5 مليون شيكل سنوياً، فيما تقدر تكلفة حماية يائير نتنياهو في ميامي وحده بنحو 2.5 مليون شيكل سنوياً. وتشمل النفقات الحراس والسيارات والسائقين وتكاليف السفر والإقامة والمصروفات اليومية.
قد يرى البعض أن هذه الأرقام ليست كبيرة مقارنة بميزانية الدولة. لكن القضية ليست قيمة الفاتورة وحدها. القضية هي المبدأ الذي تُنفق على أساسه أموال الجمهور: هل تمول الدولة حماية أشخاص لأنهم يشغلون مناصب عامة، أم لأنها تربط بين المنصب والعائلة بصورة تسمح بامتداد الامتياز الأمني إلى أفراد لا يشغلون أي منصب رسمي؟
والسؤال يصبح أكثر حدة في حالة يائير نتنياهو تحديداً، الذي يعيش في الولايات المتحدة، ومع ذلك ستتحمل الدولة تكلفة حماية أمنية له في ميامي تبلغ ملايين الشواكل سنوياً بحسب التقارير الإسرائيلية.
قد يقول مؤيدو القرار إن عائلة رئيس الحكومة ليست عائلة عادية، وإن التهديدات التي يواجهها نتنياهو يمكن أن تمتد إلى زوجته وأبنائه. وهذا اعتراض مفهوم من الناحية الأمنية. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تكون مدة الحماية ومستواها خاضعين بصورة مستمرة لتقييم مهني واضح وقابل للمراجعة؟ ولماذا ينبغي أن تكون هناك ضمانة مسبقة تمتد لسنوات، أو بالنسبة لسارة نتنياهو إلى نهاية حياة زوجها؟
هنا تظهر المفارقة السياسية.
إذا خسر نتنياهو الانتخابات، فسيتوقف عن كونه رئيساً للحكومة. وهذه هي القاعدة الطبيعية في النظام الديمقراطي: المنصب مؤقت، والسلطة تنتقل مع نتائج الانتخابات. لكن وفق القرار الجديد، لن تنتهي بالضرورة الامتيازات الأمنية المرتبطة بعائلته. ستستمر حماية سارة طوال حياته، وسيستمر أبناؤه في الحصول على الحماية خمس سنوات إضافية.
وهكذا يبدو أن هناك فرقاً متزايداً بين «حماية المنصب» و«حماية العائلة».
الأولى مرتبطة بالدولة ومؤسساتها ومسؤولياتها. أما الثانية، عندما تصبح طويلة الأمد وغير مرتبطة بصورة مباشرة بالمنصب أو بالتهديد المتغير، فتطرح سؤالاً مختلفاً تماماً حول حدود الامتياز السياسي.
ولذلك فإن جوهر القضية ليس أن نتنياهو يحصل على حراسة، ولا حتى أن عائلته تحصل على الحراسة. جوهر القضية هو: هل تستطيع الدولة أن تحول الحاجة الأمنية إلى امتياز عائلي مستدام؟
وهذا سؤال يتجاوز نتنياهو نفسه.
لأن الديمقراطية لا تُختبر فقط في كيفية انتقال السلطة، بل أيضاً في كيفية انتهاء الامتيازات التي تمنحها السلطة. فإذا كان شاغل المنصب يتمتع بحماية الدولة بسبب منصبه، فمن الطبيعي أن يُسأل: ماذا يبقى له ولعائلته من امتيازات الدولة عندما ينتهي المنصب؟
في قضية عائلة نتنياهو، يبدو أن الإجابة الجديدة هي: الكثير.
والمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في أن تحمي الدولة رئيس حكومتها. المشكلة تبدأ عندما يصبح من الصعب التمييز بين حماية الدولة لمن يشغل المنصب، وحماية الدولة لعائلة من يشغل المنصب.
عندها لا يعود السؤال أمنياً فقط.
إنه سؤال عن الدولة نفسها.
Comments