بين التعاطف والعجز الدستوري: الجريمة في المجتمع العربي تواصل حصد الأرواح
- آدم محمد عكاوي

- Feb 16
- 2 min read

يعكس اللقاء الذي جمع منتدى عائلات ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي مع رئيس الدولة، يتسحاق هرتسوغ، حجم الألم والغضب المتراكمين في الشارع العربي، في ظل موجة غير مسبوقة من العنف والجريمة التي باتت تحصد الأرواح بشكل شبه يومي. ورغم أهمية اللقاء على المستوى الإنساني والرمزي، إلا أنه يسلّط الضوء مجددًا على الفجوة العميقة بين الخطاب الرسمي والقدرة الفعلية على إحداث تغيير حقيقي.
الجريمة في المجتمع العربي لم تعد ظاهرة هامشية أو استثنائية، بل تحوّلت إلى حالة بنيوية مستمرة، تتحمّل الدولة ومؤسساتها المسؤولية المركزية عن تفشيها. محاولات تصوير ما يجري على أنه “مشكلة ثقافية” هي ادعاءات مرفوضة، كما أكدت العائلات الثكلى، إذ إن هذه المستويات من العنف لم تكن يومًا جزءًا من النسيج الاجتماعي العربي، بل نتاج سياسات إهمال، تقصير متعمد، وانعدام تطبيق القانون.
ورغم تعاطف رئيس الدولة وتصريحاته التي اعتبر فيها جرائم القتل “وصمة وطنية”، لا بد من التذكير بحقيقة قانونية أساسية: رئيس الدولة في إسرائيل لا يملك صلاحيات تنفيذية. موقعه بروتوكولي بالأساس، ولا يتيح له فرض سياسات، أو إقالة وزراء، أو مواجهة الحكومة والمجلس الوزاري المصغر (الكابينيت). وبالتالي، فإن التعويل على مؤسسة الرئاسة لوقف الجريمة هو تعويل رمزي أكثر منه عملي.
المسؤولية المباشرة تقع على عاتق الحكومة، وزارة الأمن القومي، والشرطة، التي فشلت فشلًا ذريعًا في توفير الحد الأدنى من الأمان للمواطنين العرب. هذا الفشل لا يظهر فقط في عدد الضحايا، بل أيضًا في النسب المتدنية لحل ملفات القتل، وفي سياسات الشرطة القائمة على العقاب الجماعي بدل الحماية، وعلى الحضور القمعي بدل الشراكة.
في هذا السياق، تبرز أهمية العمل المهني الذي قدّمته جمعية مبادرات إبراهيم، وكذلك دور الحراكات المدنية مثل نقف معًا، لكن هذه الجهود، مهما كانت جديتها، تبقى غير كافية دون إرادة سياسية حقيقية في مراكز اتخاذ القرار.
أمام هذا الواقع، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بانتظار الحلول من فوق. المجتمع العربي مطالب اليوم، إلى جانب نضاله السياسي، باتخاذ خطوات ذاتية منظّمة، منها:
إقامة أطر حراسة وتنظيم مجتمعي محلية، تعمل بالتنسيق مع السلطات المحلية، لحماية الأحياء ورصد مظاهر العنف المبكر.
تعزيز لجان الصلح والوساطة المهنية، بعيدًا عن العشوائية والعائلية الضيقة، وبإشراف مختصين اجتماعيين وقانونيين.
تفعيل دور السلطات المحلية العربية والضغط عليها لتحمل مسؤولياتها في مجالات الإضاءة، البنية التحتية، والمراقبة المدنية.
إشراك الشباب في أطر تطوعية ورياضية وتربوية، كبديل حقيقي عن الفراغ القاتل الذي تستغله عصابات الإجرام.
تصعيد النضال الشعبي والإعلامي المنظم، لإبقاء قضية الجريمة في صدارة الأجندة العامة وعدم السماح بتطبيعها.
إن استمرار نزيف الدم في المجتمع العربي ليس قدرًا، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها. لكن هذا التغيير لن يأتي من خطابات التعاطف وحدها، ولا من مؤسسة رئاسية منزوعـة الصلاحيات، بل من مواجهة مباشرة مع منظومة حكم اختارت الإهمال، ومن مجتمع يرفض الاستسلام ويعيد تنظيم نفسه دفاعًا عن حقه الأساسي في الحياة والأمان.
Comments