top of page

حين يتسع اليمين يضيق المكان بالفلسطينيين... "رمبام" نموذجًا

  • Writer: ياسر مناع
    ياسر مناع
  • Aug 13
  • 4 min read

في العرف الإنساني ثمة ما هو مشترك بين البشر، لكن بعض العبارات التي تظهر في زاوية من زوايا الحياة اليومية تستطيع أن تكشف مكنونات أعمق مما يبدو في ظاهرها، وقد تضع مشاريع سياسية كاملة أمام أسئلة جوهرية من نوع تلك التي تثيرها عبارة "اخرجوا، هذه دولة يهودية"، التي قيلت داخل مستشفى إسرائيلي بعد رفض معالجة مريضة عربية، إذ يصعب النظر إليها باعتبارها مجرد جملة عابرة صدرت من مجهولة الاسم داخل مؤسسة طبية؛ لأنها تختصر سؤالًا أوسع يتعلق بموقع الفلسطيني داخل إسرائيل، وبحدود ما يمكن أن يحققه في عالمه المهني والاجتماعي والسياسي، ما دام تعريف الدولة نفسه قائمًا على أولوية قومية يهودية واضحة.



وتكتسب هذه الحادثة أهميتها لأنها تكشف ما قد تحجبه الحياة اليومية تحت مظهر الاعتياد، فالفلسطيني يستطيع أن يكون مريضًا في المستشفى وطبيبًا يعمل فيه، وموظفًا في مؤسسة حكومية وأكاديميًا في الجامعة وعضوًا في البرلمان، وأن يراكم خلال ذلك سنوات طويلة من الخبرة والمكانة والحضور، ومع هذا كله يمكن أن تُستدعى هويته في لحظة حاسمة لتصبح أساسًا للحكم عليه، وعندها تتراجع صفته المهنية والمدنية، ويعود السؤال إلى أصله المتعلق بمن ينتمي إلى المكان بصورة طبيعية، ومن يبقى انتماؤه قابلًا للفحص وإعادة التحديد كلما تغير السياق أو ارتفع منسوب الأزمات السياسية والأمنية.


ولا تبدو حادثة مستشفى "رمبام"، مجازًا، منفصلة عن هذا السياق، لأن السنوات الأخيرة شهدت حالات تعرض فيها أطباء وطلاب وعاملون فلسطينيون داخل المؤسسات الإسرائيلية لحملات تحريض وتشكيك، خصوصًا خلال الحرب على غزة والحروب الجارية في الإقليم، وفي هذه الحالات أصبح النقاش متعلقًا بهويتهم وموقفهم السياسي ومدى ولائهم للدولة، وهنا تظهر حدود الاندماج بصورة أوضح، إذ يستطيع الفلسطيني أن يدخل المؤسسة وأن يعمل داخلها وأن يحقق مكانة مهنية معتبرة، من دون أن يعني ذلك أن المؤسسة أو المجتمع المحيط بها أعادا تعريفه باعتباره عضوًا متساويًا داخل الجماعة السياسية.


ومن هذه الزاوية، يصبح معنى عبارة "هذه دولة يهودية" أوسع من حدود المستشفى؛ لأنها تعيد التذكير بأن الفلسطيني، مهما اندمج، وقدم من تنازلات في بعض الحالات، يظل يتحرك داخل بنية سياسية تضع هويته القومية خارج التعريف المركزي للدولة، ويظل تعريف هذه الدولة قادرًا على إنتاج حدود تميز بين من يمثل الجماعة الأصلية في تصورها، ومن يعيش داخلها منقوص المواطنة من دون أن يدخل في هذا التعريف.


وهذا ما يضع بعض الطروحات الفلسطينية أمام سؤال سياسي أساسي، خصوصًا تلك التي راهنت خلال السنوات الأخيرة على توسيع المشاركة داخل النظام الإسرائيلي والانخراط بصورة أعمق في مؤسساته، انطلاقًا من فرضية تقول إن الاقتراب من مراكز القرار يتيح تحسين شروط الحياة والحصول على الموارد والتأثير في السياسات العامة، وقد حقق هذا التوجه في مراحل معينة مكاسب ضيقة، غير أن التجربة أظهرت أيضًا أن المشاركة لا تغير تلقائيًا حدود القبول السياسي، ولا تلغي الفارق بين الدخول إلى المؤسسة والدخول إلى تعريفها الذاتي.


وتزداد هذه المعضلة وضوحًا حين ننظر إلى الاتجاه الذي تتحرك فيه السياسة اليهودية نفسها، ففي الوقت الذي يحاول فيه جزء من الساسة الفلسطينيين الانطلاق من منطق الشراكة، ويظهر استعدادًا أكبر للاندماج داخل النظام، تتحرك قطاعات من السياسة الإسرائيلية نحو تعريف أكثر صرامة لهوية الدولة وحدود المشاركة المقبولة فيها، وهو اتجاه يظهر بصورة خاصة في تطور اليمين الإسرائيلي، الذي اتسعت خلال السنوات الأخيرة قاعدته الاجتماعية والسياسية، واستطاع استيعاب جماعات وتيارات متعددة داخل المجتمع اليهودي من متدينين وعلمانيين وشرقيين ومهاجرين وطبقات اجتماعية مختلفة، من دون أن يقوده هذا الاتساع إلى تعريف أكثر شمولًا للمواطنة.


وعلى العكس من ذلك، رافق اتساع اليمين تشديد أكبر على الطابع اليهودي للدولة وعلى مركزية الهوية القومية اليهودية في تحديد المجال السياسي، وهنا تظهر إحدى مفارقاته الأساسية، إذ كلما اتسع داخل المجتمع اليهودي ازدادت قدرته على الانغلاق داخل تعريفه القومي، فهو يستطيع أن يحتوي اختلافات يمينية واسعة وأن يعيد تنظيمها داخل إطار قومي واحد، في الوقت الذي تبقى فيه المساحة الممنوحة للفلسطيني محدودة ومشروطة، ويحاول أن يلغيها أيضًا. وقد تختلف تيارات اليمين حول الاقتصاد والدين وشكل النظام والحكومة، ثم تقترب من موقف مشترك عندما يتعلق الأمر بمكانة الفلسطيني وحدود مشاركته السياسية.


وعند هذه النقطة تظهر المشكلة الجوهرية في مشروع الاندماج، لأن السياسي الفلسطيني كلما جعل نجاحه مرتبطًا بقدرته على الاقتراب من مركز القرار، أصبح أكثر عرضة للبقاء أسيرًا لشروط هذا المركز، وأصبح مطالبًا باستمرار بإثبات اعتداله وواقعيته واستعداده للتكيف، في الوقت الذي يحتفظ فيه الطرف الآخر بحق تحديد المسافة التي يسمح له بالوصول إليها، وحدود الخطاب الذي يقبله منه، والشروط التي يضعها أمام مشاركته.


يعني ذلك أن المشكلة تتفاقم حينما يتحول الاندماج من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها، وعندما يصبح الاعتراف الإسرائيلي معيارًا للحكم على نجاح السياسة الفلسطينية، بحيث يُقاس التقدم بمدى القرب من مركز النظام، لا بمدى ما يضيفه هذا القرب إلى قوة المجتمع وقدرته على حماية مصالحه.


ومن هنا يمكن التفكير في الذهاب نحو نوع من التقوقع الفلسطيني، لا بمعنى الانعزال أو الانسحاب من المجتمع المحيط، وإنما بمعنى إعادة بناء مركز القوة داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، بحيث تصبح المؤسسات الفلسطينية والشبكات المهنية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، سواء أيدت المشاركة في البرلمان أم عارضتها، قائمة على أرضية جامعة وأكثر قدرة على حماية الفرد والمجتمع، وعندها يتعامل الفلسطيني مع المؤسسات الإسرائيلية انطلاقًا من قوة وحق جماعيين، لا من حاجة دائمة إلى إثبات أحقيته في الوجود داخلها.


ويحتاج هذا المسار إلى تعاون أوسع بين مختلف أطياف المجتمع الفلسطيني، وإلى سياسة ترى المجتمع مصدر قوتها الأول وتجعل التحالفات خاضعة لمصلحته، وبهذا المعنى يصبح التقوقع فعلًا تنظيميًا يقوم على تقوية المجتمع من الداخل، وبناء قدرة جماعية تسمح للفلسطيني بالعمل في شتى المجالات من موقع أكثر توازنًا، بحيث يستطيع أن يتعاون حين تتقاطع المصالح، وأن يرفض حين تتعارض، وأن يدافع عن حقوقه من دون أن يحوّل قبوله داخل المشروع الإسرائيلي إلى هدف قائم بذاته.


ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة؛ لأنه لا يتعلق بكيفية الاندماج أكثر، بقدر ما يتعلق بكيفية بناء قوة فلسطينية تجعل أي عمل يخدم مصالح المجتمع ولا يحددها، فالفلسطيني الذي يمتلك مؤسساته وشبكاته وقدرته الاقتصادية والسياسية لا يجعل همه البحث عن القبول، وإنما يتحرك من موقع يملك فيه القدرة على القول والفعل والتأثير، وعندها لا يعود السؤال: كيف يجد مكانًا داخل المشروع الإسرائيلي؟ بل: كيف يبني لنفسه موقعًا لا يستطيع معه هذا المشروع تجاهله؟.


Comments


من 48 - عشان 48

  • Facebook
  • Instagram
bottom of page