top of page

محمد بكري: سيرة فنان تجاوز حدود التمثيل

  • Writer: محمود النجار
    محمود النجار
  • Jan 8
  • 2 min read


يُعدّ محمد بكري واحدًا من أبرز الشخصيات الثقافية والاجتماعية الفلسطينية في الداخل، ليس فقط بوصفه ممثلًا مسرحيًا وسينمائيًا لامعًا، بل كصوتٍ عامٍّ حمل الفن إلى تخوم السياسة، وحوّل الخشبة والشاشة إلى منبرٍ للأسئلة الأخلاقية والإنسانية الكبرى. على امتداد مسيرته، شكّل بكري نموذجًا للمثقف العضوي الذي لم يكتفِ بدور المتفرّج، بل انخرط في قلب الصراع على الذاكرة والهوية والعدالة.


وُلد محمد بكري في بيئةٍ فلسطينيةٍ مشحونةٍ بتحديات البقاء والاعتراف، فكان الفن بالنسبة إليه أداةَ مقاومةٍ ناعمة، تُجادل الرواية السائدة وتفتح نوافذ على الحكاية المغيّبة. منذ بداياته في المسرح، اتّسم أداؤه بجرأةٍ لافتة، إذ لم يسعَ إلى النجومية المجردة بقدر ما سعى إلى قول شيءٍ له معنى. اختار أدوارًا تُقلق، ونصوصًا تُحرّض على التفكير، ومشاريعَ تُلامس الجرح المفتوح في المجتمع الفلسطيني.


لم تكن مساهمته الفنية منفصلة عن حضوره الاجتماعي. فقد تحوّل بكري إلى شخصيةٍ عامةٍ تُثير الجدل، لا بسبب الاستعراض، بل لأن مواقفه جاءت غالبًا في منطقةٍ رماديةٍ يفضّل كثيرون تجنّبها. دافع عن حرية التعبير بوصفها شرطًا أساسيًا لأي مجتمعٍ حي، وواجه حملات تحريضٍ وملاحقاتٍ قانونية بسبب أعمالٍ فنيةٍ اعتُبرت “مستفزّة”، بينما رآها هو شهادةً أخلاقيةً على واقعٍ لا يجوز التستّر عليه.


اجتماعيًا، يمثّل محمد بكري حالةً خاصّة في مجتمعٍ يعيش توتّرًا دائمًا بين الرغبة في الاندماج والحاجة إلى الحفاظ على الهوية. خطابه، سواء على الخشبة أو في اللقاءات العامة، انحاز إلى الإنسان البسيط، وإلى حقّ الضحية في السرد، وإلى ضرورة مساءلة القوة حين تنحرف. بهذا المعنى، لم يكن فنه ترفًا ثقافيًا، بل ممارسةً اجتماعيةً تسعى إلى إعادة الاعتبار للكرامة والمعنى.


كما أسهم بكري في فتح نقاشٍ واسعٍ حول دور الفنان وحدود الفن: هل هو شاهدٌ محايد أم طرفٌ أخلاقي؟ وهل يُطلب من المبدع أن يلتزم الصمت حين يتعارض الإبداع مع السائد؟ في إجاباته العملية، اختار الطريق الأصعب، مؤمنًا بأن الفن الذي لا يُزعج لا يغيّر، وبأن المجتمع الذي يُعاقب الأسئلة محكومٌ بالركود.


إن الحديث عن محمد بكري هو حديثٌ عن علاقة الثقافة بالسياسة، وعن ثمن الموقف، وعن قوة الكلمة والصورة حين تُقال بصدق. سواء اتّفق المرء معه أم اختلف، يبقى أثره الاجتماعي حاضرًا في توسيع هامش النقاش، وفي تذكيرنا بأن للفن وظيفةً تتجاوز المتعة إلى المسؤولية. هكذا، يظل محمد بكري علامةً فارقة في المشهد الثقافي والاجتماعي، وصوتًا يصعب تجاهله في زمنٍ يضيق فيه المجال العام.

Comments


من 48 - عشان 48

  • Facebook
  • Instagram
bottom of page