نتنياهو يتهرّب من المسؤولية والمواطنون العرب يدفعون الثمن
- اديب الناطور

- Feb 16
- 4 min read

لقد أرسل خمسة رؤساء سابقين لجهاز الأمن العام («الشاباك») و31 مسؤولاً سابقاً رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الشاباك الحالي دافيد زيني وإلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أعربوا فيها عن استنكارهم لصمت زيني وحرص نتنياهو على صرف الأنظار عن إخفاقه في هجوم 7 أكتوبر. يوضح الموقع عرب 48 أنّهم اتهموا نتنياهو بأنه بـ«أفعاله وسلوكه يضرّ بالمنظومة الأمنية بأكملها» ، لأنه رفض تحمّل أي مسؤولية شخصية وحمّل مسؤوليّات الهجوم للآخرين. وفي الرسالة المؤرّخة شدد مسؤولون الشاباك السابقون: «الأمر يتعلق بمحاولة غير مشروعة لصرف الأنظار وإبعاد رئيس الحكومة عن أي مسؤولية عن الهجوم» . كما لفتوا إلى أنّ “الوحيد الذي يعمل باستمرار على نزع أي مسؤولية عن نفسه هو رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو”
مراوغة نتنياهو: حملة تشهير وعزل الحاكم
في خطاب نتنياهو تجاه تقرير مراقب الدولة، كتب 55 صفحة كاملة لجأ فيها إلى نشر مواد سرية وتوجيه اتهامات مبكرة ضد ضحايا الهجوم، دون إعطاءهم حق الرد. وهذا الأسلوب أحياه السياسيون العرب بالقول إنه يهدف «تهيئة الرأي العام، ولا سيما القاعدة المؤيدة له، لفكرة أنه لا حاجة إلى لجنة تحقيق رسمية، باعتبار أن المذنبين قد جرى تحديدهم مسبقاً» . لم تقتصر اتهامات قادة الشاباك على هروبه من المساءلة فحسب، بل على الإساءة الى قيم المواطنة: إذ حملوه نيّة «إشعال حملات تشهير» ضد مؤسسة أمنية حامية للمواطنين جميعاً . ومع انهماك نتنياهو في تسويق روايته الخاصة للكارثة الأمنية، يزداد إهمال الحكومة في القضايا الحياتية الأساسية للمجتمع العربي في إسرائيل. فبالرغم من مطالبات العرب المستمرة بالمساواة في الحقوق والموارد، تواصل السلطة الحاكمة تجاهلها لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية.
تجاهل الحقوق الاجتماعية والميزانيات المتدنية
يعاني الفلسطينيون المواطنون (عرب 48) من واقع اقتصادي واجتماعي مرير: تبين إحصائيات رسمية إسرائيلية أن نسبة الفقر في صفوفهم تبلغ 45%، مقابل 13% فقط لدى بقية الإسرائيليين . وأظهرت بيانات أخرى أن 53% من الأسر الفقراطية في إسرائيل (حسب تعاريف «التأمين الوطني») هي عربية . أما فرص العمل فهي ضئيلة بالمقارنة، فقد كانت 36 من أصل 40 بلدة ذات أعلى معدلات بطالة في البلاد هي من المجتمعات العربية ، بينما يبلغ دخل الفرد العربي نحو 30-40% أقل من الدخل لدى مواطني السلطات اليهودية المجاورة .
ومع هذه الأرقام الصادمة، تأتي خطة الميزانية الحكومية 2026 لتزيد الطين بلّة: فقد حذّر مركز مساواة أن الحكومة خصمت نحو ملياري شيكل من حصّة التنمية المقرّرة للمجتمع العربي في القرار الحكومي 550 (المفترض أن تتجاوز 40 مليار شيكل) . وترى الموازنة أن تتحول «الموارد من المسارات المدنية والتنموية إلى أجهزة أمنية» ، فقد حصلت وزارات الأمن والقومية على مئات ملايين إضافية، بينما تُمسَّ بأموال التعليم والصحة والإسكان العربي . يحذّر المحللون من أن تلك التخفيضات ستؤدي إلى «تعميق الفقر وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وتوسيع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية» بدلاً من معالجة جذور الأزمات.
أما التمييز البنيوي فلا يقتصر على الميزانيات المركزية فحسب، بل يشمل أيضًا تمويل السلطات المحلية: إذ بيّن تقرير إسرائيلي أن البلديات والقرى العربية تتلقى حوالي 50–60% فقط من تمويل الدولة للفرد مقارنة بنظيراتها اليهودية . هذا يقود إلى نقص حاد في البنى التحتية والخدمات (كالطرق والمدارس والمشافي) في القرى العربية. ولأصحاب العمل اليهود دور في ذلك أيضًا: مستويات التأهيل والتعليم لدى العرب عموماً أقل نسبياً، مما يجعل البطالة أعلى بنحو 3–5 نقاط مئوية من المتوسط الوطني . وتصل نسبة النساء العربيات العاملات حوالي 17% فقط من إجمالي القوة العاملة النسائية (مقابل نحو 50% عند اليهوديات) ، ما يعني تركيزاً مدمراً للبؤس في أسر كثيرة.
أرقام صادمة عن العنف والجريمة
في ظل هذه معطيات الإقصاء الاقتصادي، انفجرت أزمة أخرى: تفشّي العنف والجريمة داخل المجتمع العربي. سجلت جمعيّة «أمان» أكثر من 252 قتيلاً في العام 2025 من جرائم عنف داخل البلدات العربية، وهو معدل يمثل 15 ضعف معدل العنف القومي بين اليهود . ووفق الإحصاءات، يشعر أكثر من ثلاثة أرباع الفلسطينيين المواطنين بالخوف على حياتهم وحياة أبنائهم بسبب هذه الموجة العنيفة. يربط قادة عرب الأزمة بالحكومة اليمينية الحالية: فإنّ «حكومة بنيامين نتنياهو – المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية – وتولي إيتمار بن غفير حقيبة الأمن القومي» قفزت بالضحايا من 108 عام 2022 إلى أكثر من الضعف عام 2025.
ومما زاد الاحتقان، تواطؤ أجهزة الأمن الرسمية مع عصابات الظلام: إذ اعترف ضابط شرطة إسرائيلي أن معظم المجرمين الكبار في المجتمع العربي «يتعاونون مع جهاز الشاباك ويتمتعون بالحصانة». وبحسب المحللين، لا تنجح الشرطة الإسرائيلية إلا في حل 15% فقط من الجرائم التي تكون ضحاياها من العرب، مقابل 60% لمن ضحاياهم يهود . هذا التواطؤ والكسل الأمني فجّر الغضب الشعبي. ففي الأسابيع الأخيرة خرج الفلسطينيون في الداخل بمظاهرات حاشدة نُظِّمت في كل المدن العربية. فشهدت سخنين مثلاً تظاهرة ضخمة امتدت إلى تل أبيب بمشاركة أكثر من مئة ألف متظاهر ، بعد أن أضرم مواطن عربي محتجٌّ فيها النار في مشروعه التجاري احتجاجاً على مطالبة العصابات له بدفع إتاوات. لقد وضعت هذه المظاهرات المطلب العربي على طاولة النقاش العام، بينما ردّت السلطات بـ«زيارات رمزية» هنا وهناك دون أيّ إصلاح حقيقي للوضع الأمني.
احتقان سياسي ومعارضة متصاعدة
إنّ تحالف نتنياهو مع المتطرفين (مثل بن غفير والصهاينة الجدد) جعل المجتمع العربي رهينة سياسة عقابية؛ فقد شغل الرأي العام الداخلي على قضايا الأمن والمواجهات، بينما تجاهل الفقر والبطالة والمعاناة اليومية لعرب 48. وحتى الاقتراحات الحدّية التي تتناول قضية العرب كانت دائماً قاصرة وسطحية: مثلاً، مقاعد «اللجنة المتابعة» وما يُسمّى بخارطة الطريق التعليميّة لا تقابلها أي خطة عاجلة لرفع الموازنات أو تمكين القيادة العربية.
في مواجهة هذا الواقع، يدعو النشطاء والقيادات العربية إلى خطوات تصعيدية: تكثيف الضغوط على الحكومة وتظافر جهود المجتمع المدني. فقد عبر مفكرون عن ضرورة «الانتقال من عقلية الاحتجاج إلى التنظيم المجتمعي العميق»، لا سيما عن طريق بناء لجان دعم محلية وتعزيز الهوية الجامعة. كما جرى اقتراح إضراب عام يحشد العرب في المستشفيات والمواصلات والقطاعات الحيوية، لأن 40% على الأقل من العاملين فيها عرب. والرسالة الرئيسة هي واضحة: المجتمع العربي لن يتراجع عن المطالبة بمساواة كاملة في الحقوق والموارد، ولن يبقى صامتاً أمام تجاهل الحكومة لاحتياجاته.
أمام هذا السيناريو، تبرز مطالب أساسية عاجلة على جدول السياسة الداخلية:
تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة في هجوم 7 أكتوبر، لا لطمس الحقائق أو وضعهم ضحايا، بل لمحاسبة المقصرين وضمان عدم تكرار الكارثة
إعادة التوازن في الميزانيات: وقف خصم المليارات من مخصصات التنمية العربية وإعادة توجيه الأموال إلى التعليم والإسكان والرعاية الاجتماعية والبنى التحتية التي أهملت طويلاً
مكافحة الجريمة بجدية: الاستثمار العاجل في أجهزة الأمن المحلية وتعزيز التعاون مع المجتمع العربي لكبح العنف بدلاً من غض الطرف عنه، وضمان حماية المواطن العربي كأي مواطن آخر.
ختاماً، يستنكر المواطنون العرب المراوغة السياسية التي يمارسها نتنياهو تجاه قضاياهم ويضعونها في قلب أي محاسبة لمسؤوليه. فالأزمة الأمنية الأخيرة لن تخفت ضجيجها إلا إذا قبل المسؤولون بتحمّل تبعات أخطائهم، وأقرّوا بأن العرب داخل إسرائيل جزء أصيل من النسيج الوطني يستحق المساواة والعدل. المجتمع العربي ماضٍ في نضاله المشروع لنيل حقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولن يسكت بعد اليوم على تهميش طال دماء أبنائه وعقولهم.
Comments