الجريمة الداخلية مقابل التهديد الخارجي
- محمود النجار

- Apr 24
- 4 min read

يشهد المواطنون العرب في إسرائيل تصاعدًا مقلقًا في معدلات الجريمة، وسط شعور متزايد بالخطر. ففي حادثة حديثة، قُتل رجل في منتصف العمر بإطلاق نار في قرية عسفيا، ما رفع حصيلة ضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي منذ بداية عام 2026 إلى 91 قتيلًا، نحو 86 منهم سقطوا جراء إطلاق نار. ويُعد هذا التصاعد في أعمال القتل رقمًا قياسيًا مقلقًا؛ فبالمقارنة، تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد القتلى الإسرائيليين خلال الحرب مع إيران بلغ 18 شخصًا نتيجة الهجمات الصاروخية الإيرانية، قبل أن يتم تحديث الرقم إلى 23 قتيلًا، بما يشمل هجمات من لبنان. وبعبارة أخرى، فإن عدد الفلسطينيين داخل إسرائيل الذين يلقون حتفهم على يد مجرمين محليين يفوق بكثير عدد القتلى جراء الصواريخ الإيرانية. هذه المفارقة – بما تحمله من سخرية وغضب – أشعلت موجة من الاحتجاجات الواسعة في المدن العربية. ففي إحدى هذه الفعاليات، شارك عشرات الآلاف من العرب واليهود في مظاهرة بتل أبيب، مطالبين بتعزيز تواجد الشرطة وتحسين مستوى الأمن في أحيائهم.
تناقض صارخ في أعداد الضحايا
ترسم الأرقام صورة حادّة من التباين. فقد أفادت “نجمة داوود الحمراء” (خدمة الطوارئ الطبية في إسرائيل) بأن 18 شخصًا قُتلوا جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل. وفي حصيلة أوسع، أشار موقع “عرب 48” إلى أن عدد القتلى الإسرائيليين نتيجة نيران صاروخية من إيران ولبنان بلغ 23 قتيلًا حتى مطلع نيسان/أبريل. في المقابل، بلغ عدد ضحايا الجريمة في المجتمع العربي منذ بداية العام 91 قتيلًا، كثير منهم من الشبان، وغالبيتهم سقطوا بإطلاق نار من أسلحة غير قانونية. وفي عام 2025، كان الفارق كبيرًا بالقدر نفسه: إذ قُتل 252 فلسطينيًا داخل إسرائيل خلال العام الماضي (ما يقارب 80% من مجمل جرائم القتل في البلاد)، فيما بقيت مطالب المجتمع بالحماية إلى حد كبير دون استجابة.
تُقوّض هذه الأرقام الادعاءات الرسمية بأن التهديد الأساسي الذي تواجهه إسرائيل يأتي من الخارج. ووفق ما نقلته “تايمز أوف إسرائيل”، أصرّ قائد الشرطة داني ليفي على أن معدلات الجريمة في تراجع هذا العام، وهو ادعاء رأت فيه “مبادرات أبراهام” أنه “يتناقض مع الواقع”. وفي الحقيقة، أصبحت جرائم القتل في البلدات العربية “أمرًا اعتياديًا جديدًا”، في ظل إفلات العديد من الجناة من العقاب. حتى افتتاحية في “جيروزاليم بوست” أقرت بأن عام 2025 كان “الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للمجتمع العربي”، مع 252 قتيلًا، إضافة إلى 27 آخرين في كانون الثاني/يناير 2026 وحده. وهو رقم يقترب من عشرة أضعاف عدد القتلى جراء الصواريخ الأجنبية، ومع ذلك لم يحظَ بالمستوى نفسه من الاستعجال في تعامل الدولة معه.
إهمال رسمي وغضب مجتمعي
يتهم قادة المجتمع العربي وجهات رقابية الحكومة بالإهمال والتقاعس. ففي منتصف شباط/فبراير 2026، أُعلن عن إطلاق “الهيئة الوطنية لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي” لسدّ هذا الفراغ. وقد ندّد القائمون عليها بما وصفوه “فشلًا متعمّدًا للدولة”، من جانب الحكومة والشرطة، في التعامل مع موجة جرائم القتل. وأشاروا إلى أن أكثر من 250 عربيًا قُتلوا خلال عام 2025 – وهو رقم قياسي – إضافة إلى نحو 50 ضحية منذ بداية عام 2026. والأخطر أن نحو 15% فقط من هذه القضايا تم حلّها، ما عمّق “أزمة ثقة حادّة” بين المواطنين وأجهزة إنفاذ القانون. وفي هذا السياق، تطالب هذه الجهات باتخاذ خطوات عملية، من بينها:
إعادة تمويل برامج الوقاية من الجريمة،
مصادرة الأسلحة غير القانونية ومكافحة تهريبها،
حلّ قضايا القتل العالقة وتقديم الجناة إلى العدالة،
تفكيك شبكات الجريمة المنظمة في البلدات العربية.
وتؤكد هذه المطالب أن المواطنين لا يرون العنف قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لفشل السياسات. وفي هذا الإطار، قال جمال زحالقة، وهو نائب عربي مخضرم، خلال إحدى التظاهرات إن العرب في إسرائيل “يشبهون إلى حد كبير [جيرانهم] في الأردن، حيث يقل معدل جرائم القتل عن حالة واحدة لكل 100 ألف نسمة، بينما يتجاوز في المجتمع العربي داخل إسرائيل 15 حالة لكل 100 ألف”. وقد تحوّلت الاحتجاجات نفسها إلى رمز قوي لهذا الغضب المتصاعد. ففي كانون الثاني/يناير 2026، شارك آلاف المتظاهرين العرب واليهود في مسيرة بتل أبيب، رافعين لافتات كتب عليها “حياة العرب تهم” ومطالبين بأمن متساوٍ للجميع.
في إحدى التظاهرات في تل أبيب، رفع محتجون لافتات كُتب عليها بالإنجليزية “Arab Lives Matter”، وبالعربية “نتنياهو مسؤول عن الجريمة”. وقد جمعت هذه الاحتجاجات بين العرب واليهود في مطلب مشترك يدعو الحكومة إلى التعامل مع موجة الجريمة بالجدية نفسها التي تُبديها تجاه أي تهديد أمني آخر.
في المقابل، يعبّر مختصون في شؤون المجتمع العربي عن قلقهم، مشيرين إلى أن الدولة “غائبة تمامًا” عن العديد من البلدات. وحذّر المحامي الحقوقي حسن جبارين، من مركز “عدالة”، من أنه في ظل غياب إنفاذ قانون فعّال “تصبح الحياة قاسية ووحشية وقصيرة”، في استحضار لفكر الفيلسوف توماس هوبز.
كما أشار موقع “عرب 48” إلى “غياب تام لأي خطوات جدية لردع المجرمين أو الحد من انتشار السلاح”، الأمر الذي يفاقم الأزمة الأمنية. وعلى أرض الواقع، يعني ذلك أن الشبان العرب يعيشون في ظل خوف يومي من العنف، يفوق بكثير مخاوفهم من التهديدات الخارجية البعيدة.
أسوأ من إيران: حكومة في حالة إنكار
على مدى سنوات، ركّزت الحكومة الإسرائيلية على التهديدات الخارجية، مثل برنامج الصواريخ الإيراني، بينما قلّلت من شأن نزيف الدم في الداخل. غير أن الأرقام واضحة ولا تحتمل التأويل: الخطر من الداخل يفوق بكثير الخطر القادم من طهران، ومع ذلك يحظى الأخير بالاهتمام والعناوين. رسميًا، يُحصى عدد القتلى جراء الصواريخ الإيرانية خلال فترات الحرب بالعشرات القليلة، في حين يُقتل عشرات المواطنين العرب شهريًا برصاص الجريمة المنظمة. الصدمة في البلدات العربية ليست نظرية، بل واقع يومي يُعاش.
كل عائلة تفقد عزيزًا بسبب العنف في الشارع تدرك أن الصواريخ الإيرانية ليست السبب. هذا الصوت يخرج أيضًا من داخل المجتمع نفسه؛ إذ جاء في إحدى الافتتاحيات في الصحافة العربية بوضوح: “الصواريخ الإيرانية لم تقتل أبناءنا – بل مجرمون عرب. الشرطة والحكومة اللتان تزعمّان حمايتنا كانتا أسوأ على أمننا من إيران”. هذا الشعور بالغضب يتردد في أوساط واسعة. فالمواطنون يقولون: إذا كانت صواريخ عدو خارجي قد قتلت 23 شخصًا خلال حرب، فهذا أمر مقلق، لكن عندما تحصد شوارعنا 91 ضحية خلال بضعة أشهر، فإن المساءلة يجب أن تبدأ من الداخل أولًا.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى لامبالاة الحكومة الحالية على أنها مجرد تقصير، بل خيانة لحقوق المواطنين العرب الذين يشاركون في خدمة الدولة ويقدّمون التضحيات في أوقات الحرب، بينما يطالبون بالحماية في أوقات السلم دون استجابة كافية.
الأدلة، من أرقام واحتجاجات، واضحة. سنبقي هذه المعطيات حيّة في الذاكرة: 91 ضحية من المجتمع العربي جرّاء الجريمة منذ بداية العام، مقابل أقل من 20 قتيلًا نتيجة صواريخ خارجية. والمطلب واضح: تطبيق نفس الموارد والعزيمة التي تُسخّر لمواجهة التهديدات الخارجية، لحماية المدارس والشوارع والعائلات. وحتى يتحقق ذلك، سيواصل المواطنون العرب في إسرائيل التأكيد على أنهم يواجهون تهديدًا أكبر من داخل هذه الحدود أكثر من أي صاروخ خارجي، ولن يصمتوا حتى تعترف الحكومة بهذه الحقيقة.
Comments