top of page

المواطن العربي والشرطة: أمانٌ مفقود أم ضياع للثقة؟

  • Writer: اديب الناطور
    اديب الناطور
  • Jul 10
  • 5 min read

في ظل موجة الجريمة غير المسبوقة التي تجتاح البلدات العربية في الداخل، بات السؤال الجوهر: كيف يمكن لمجتمعٍ أن يشعر بالأمان عندما يفقد الثقة في المؤسسات المسؤولة عن حمايته؟. كل يوم يحمل معه خبراً جديداً عن ضحية أو جريح، وغالباً ما يلاحق الحزن عائلاتنا إلى داخل بيوتها. والشرطة، التي يفترض أن تكون ملاذ الأمان، أصبحت هدف انتقادات لاذعة من قبل هؤلاء المواطنين، بل يعتبرها كثيرون قوة غريبة عن مجتمعنا لا تحميه بل تسيطر عليه.


تطور العلاقة التاريخية

لعل جذور الأزمة تمتد إلى التاريخ الطويل للعلاقة بين فلسطينيو 48 وجهاز الأمن الإسرائيلي. تحت وطأة الحكم العسكري (1948–1966) عومل العرب كمشتبه فيهم، وليس كمواطنين كاملين الحقوق. مرت تضحيات الجيل الأقدم – من نكبة 1948 ومجزرة كفر قاسم (1956) ويوم الأرض (1976) – مروراً بالانتفاضات الفلسطينية الأولى والثانية، وصولاً إلى أحداث أكتوبر 2000 (الانتفاضة الثانية) التي قتلت الشرطة خلالها 13 شاباً فلسطينياً.

تقارير رسمية لاحقة (لجنة أور 2003) حمّلت الشرطة مسؤولية جسيمة عن هذه القتلى ولم ترى المجتمع العربي أي اعتذار أو مساءلة. بل على العكس، ازدادت الشرطة تواجداً داخل البلدات العربية: اُفتتحت أول مركز شرطة في أم الفحم عام 2003، واستمر التوسع بأكثر من 40 محطة من 2000 حتى اليوم، رغم أن أكثر من 90% من قتلة العرب يلفُّهم الغموض وتبقى جرائمهم بلا حل. تشير الدراسة البحثية لحبيب مخول إلى أن هذه السياسة الأمنية بدأت تحت شعار «فرض النظام» و«مكافحة الشغب»، وظل الإطار الحاكم يعتبر الفلسطينيين “عدوًّا داخليًّا”. هذا التاريخ الطويل من التوتر وانعدام المسؤولية ترك أثره: لا غرابة أن يُنظر إلى الشرطة في المخيال الشعبي على أنها «قوة احتلال داخلي»، بدلاً من حارس أمن وطني.


الواقع الحالي: جريمة متفشية وأرقام صادمة

الواقع الراهن صار خريطة حمراء من الدم. ففي 2025 وحده سجَّل المجتمع العربي أعلى حصيلة للجرائم القاتلة على الإطلاق: فقد قُتل أكثر من 250 مواطناً فلسطينياً في سياق عنف إجرامي، وفي النصف الأول فقط من 2026 تجاوز عدد القتلى 140. هذه أرقام مذهلة: العرب يشكّلون نحو 20% من السكان لكنّهم مثُّل أكثر من 80% من قتلى جرائم القتل في إسرائيل. وفي عام 2024 أيضاً خرج المؤشر إلى رقم قياسي حين بلغ عدد ضحايا العنف والجريمة في المجتمع العربي 230 شخصاً، وهو ما يقارب ضعف العام السابق.


الأرقام الإحصائية تعبر عن مأساة حقيقية. ففي كل يوم تقريباً يُقتل أو يُصاب عشرة عرب أو أكثر في حوادث إطلاق نار وتصفية حسابات بين عصابات. المواطن العربي لم يعد يخرج من بيته وأطفاله يشعرون بالأمان؛ بل ينامون وهم ينتظرون صوت طلق ناري يقتحم سكون الليل. تحقيقات الأمن تشير إلى أنّ معظم هذه الجرائم ترتبط بصراعات داخل منظمات الجريمة الإجرامية – إتاوات وحروب خلافات، وصولاً إلى مافيات انتشار الأسلحة غير الشرعية. ولا تدخل الشرطة في ميدان المواجهة إلا بالكثير من التأخير: فقط 12–15% من تلك الجرائم يتم حلها وتقديم مُرتكبيها للعدالة، مما يكرس إحساساً عامًا بالعجز ويغذي حلقة من الإفلات من العقاب.


إلى جانب العدد المهول من القتلى، تعكس استطلاعات الرأي الأزمة النفسية والقلق السائدين. فقد وجد مسح حديث (IDI 2025) أن 80% من المواطنين العرب يخشون أن يتعرضوا هم أو أحد أفراد عائلاتهم لأعمال عنف أو إطلاق نار بسبب خلافات جنائية. نصف المجتمع تقريباً يشكّ تماماً في قدرة الشرطة على حمايته، إذ إن 40% من العرب أجابوا بأنهم “لا يثقون على الإطلاق” بالشرطة، مقابل 19% فقط عبروا عن ثقة عالية. وهذه الثقة المفقودة ليست مثيرة للدهشة: فصندوق البريد يصله يومياً رسائل عناء ومرارة؛ كما قالت بشرى من كفر قرع بعد مقتل ابنها: «قتلوا ابني، ولكنه لم يمت – لقد اغتيل. الشرطة لم تأتِ أبداً لتستجوبني أو أي أحد. ماذا هذا، أليس إنساناً؟». وحتى من يقول أنا «إسرائيلي» أو «محمي بهويتي»، يتساءل إذا كانت هويته تكفي لكي تعيده للمنزل سالماً: «هذه بلادي، لديّ هوية إسرائيلية… أنا إسرائيلي، عربي، مسلم، ولكن إسرائيلي. الشرطة يجب أن تحميني. لكنها لا تحمي أحداً».


فقدان الثقة: الأسباب والمسؤوليات

تدهور الأمن في المجتمع العربي وجّه أصابع الاتهام في اتجاهين متوازيين: الأول يتهم فشل أجهزة الشرطة والأجهزة الأمنية، والثاني يشير إلى أوجه القصور داخل المجتمع نفسه. من زاوية الحكومة، كان الرد دائماً بذريعة النقص: الشرطة تقول إنها تحتاج المزيد من العناصر والمراكز للتعامل مع تنامي المسألة الأمنية، وهو ما دعّى إلى تخصيص مبالغ هائلة—مئات الملايين من الشواقل سنوياً—لبناء مراكز شرطة إضافية وتجنيد أفراد جدد. بل إن الحكومة خصصت نصف مليار شيقل للشاباك (جهاز الأمن العام) للانضمام إلى مكافحة الجريمة في المجتمع العربي. وزيرة المساواة الاجتماعية السابقة قالت إنها نجحت في “توجيه الموارد لحرب حقيقية ضد منظمات الجريمة واستعادة الأمن للمواطنين”. هذا الكلام يلتقط بوضوح موقف القوى السياسية التي ترى أن الحل هو مزيد من العمل الأمني والحزم في مواجهة العصابات.


على الطرف الآخر، يرى الكثير من الناشطين والباحثين أنّ مجرد تشييد المحطات الأمنية هو إجراء شكلي. باحثون مثل حبيب مخول يؤكدون أن مبدأ بناء مبنى شرطة جديد في مدينة دون تطوير أدوات عمل الشرطة وجودتها أمر بلا تأثير يذكر على الوقاية من الجريمة. فقد انتهت دراسة مخول إلى أن السياسات الحكومية الأخيرة لم تحقق انخفاضاً في جرائم القتل—العكس تماماً، فقد سجلت زيادة حادة في معظم البلدات العربية التي أُقيمت فيها مراكز شرطية. فعلى سبيل المثال، بلدة مجد الكروم هي الوحيدة تقريباً التي انخفض فيها معدل القتل بعد افتتاح مركز الشرطة، بينما في بقية البلدات ارتفعت معدلات القتل بنسبة تراوحت أحياناً إلى 302%. والأهم من ذلك أن نسبة كشف الجرائم بقيت ضئيلة جداً (أقل من 10% في عام 2025)، مما يعني أن التوسع الأمني بقي تراكمياً على المعادلة: الزاد قُدِّم بلا حلول حقيقية على الأرض.


الجميع تقريباً يتفق على أن “الجريمة المنظّمة ليست مصيراً ثقافياً” كما يردد مؤسس الهيئة الوطنية لمكافحة الجريمة، بل هي نتيجة سياسات سياسيّة تراجعت فيها الدولة عن مسؤولياتها تجاه الأقلية العربية. منتقدون يقولون إن الحكومة منحت الأولوية أحياناً لمشاريع إيديولوجية (كلفظ «فرض السيادة» وتوسيع نطاق السيطرة الأمنية على النقب والجليل)، على حساب تمويل الحاجات الاجتماعية والاقتصادية الملحّة في المجتمع العربي. (وسبق أن فضحت وزيرة حكومية خطة “تكادوم” للحكومة السابقة، حيث ذُيّلت مليارات الشواقل بلا رقابة إلى مُنفّذين متهمين لاحقاً بمعاملاتهم الإجرامية.)


بين هذه التصريحات الرسمية والنقد الشعبي يقبع أغلب العرب في الداخل بلا ثقة بالشرطة. فالعديد يوضحون أن حل الأزمة لن يأتي فقط بمزيد من العسكرة، بل عبر خطوات مُتقنة: تأهيل عناصر الشرطة العاملين في البلدات العربية، تحسين طرق التحقيق الجنائي، وضمان سرية ومهنية العمل الشرطي بدلاً من الانحياز الحزبي. ويقول مراقبون: إذا كانت الحكومة تتجاهل صوت المجتمع العربي بشأن المخططات الأمنية، وتغلق أعينها عن المطالب الحقيقية (كتهيئة فرص عمل وتعليم ومرافق حيوية)، فإن الثقة لن تُستعاد بأوامر نيابية أو مراكز شرطية جديدة.


المسؤوليات ومسارات الحلول

حتى ننتقل من حالة الإهمال إلى حالة الأمان، يرى الخبراء الحاجة إلى نهج متكامل. أولاً، يجب إنفاذ خطط خماسية كُرست لمواجهة الجريمة (مثل الخطة الحكومية 549) بجديّة تامة، بمعالجة جوانبها الأمنية والمتابعة الفعلية. لا بدّ من رفع ميزانيات التحقيق الجنائي بشكل فعّال، وتجهيز محطات الشرطة بفرق أدلة جنائية مختصة، كي يُكشف أكثر من 12-15% بسيطاً فقط من الجرائم اليوم.


ثانياً، الحل يتطلب شراكة مجتمعية: إشراك القيادات العربية المحلية في وضع خطط الحماية، ودعم مبادرات التبليغ المجتمعي والوقاية المدنية. فقد كان اعتماد مجتمعي للضمان الأمني (خدمة مدنية، أو مشاركة في حراسة الأحياء) مطلباً يتصاعد قبوله بين الشباب العربي.


ثالثاً، لا بدّ من اقتلاع جذر الفساد الذي انتشر حول بعض المشاريع الحكومية: توجيه الموارد نحو برامج تربوية وترفيهية وترميم البنى التحتية في البلدات العربية لا نحو خطط “لإخضاعها”، وفتح ملفات صرف الأموال العامة لضمان عدم تسربها إلى جهات فاسدة. فعلى سبيل المثال، تؤكد المنظمات المدنية ضرورة إعادة الأموال التي وجّهت سابقاً دون حسيب إلى النوادي الرياضية واتحادات مشبوهة، واستخدامها في مشاريع تنمية حقيقية.


أخيراً، من الضروري أن تعيد الشرطة بناء تواصلها مع المجتمع: لقاءات مفتوحة مع قادة المجتمع العربي، وإقرار رقابة مستقلة على عمل الشرطة داخل البلدات العربية. علينا جميعاً التساؤل: من يحمينا؟ إذا كان جوارنا في الشرطة يُقلقنا، فالأولى أن نعالج تلك الهواجس.


خاتمة وأسئلة للمستقبل

في الختام، يظل السؤال مطروحاً: كيف نضمن أمننا بعد أن ضاع منا شعور الأمان من الشرطة نفسها؟. بين وعود وسائل الإعلام بعمليات جديدة وإنفاق كبير، وبين مشاهد الأمهات الثكالى والسكوت الحكومي الطويل، يبقى الأمل عربياً أن ينجح مجتمعنا وأجهزته في الخروج من هذا النفق الداكن. فالأمن لا يُفرض بإعلان وزاري، والثقة لا تُكتسب إلا بإظهار النتائج. يحدونا الأمل في المستقبل، لكنّ ذلك الأمل مشروط بإصلاح عميق: هل سيستطيع المواطن العربي استعادة ثقته في جهاز الشرطة الذي طالما شعر بأنه «آخر من يلجأ إليه»؟ أم ستظل معاناتنا تتخذ مسارات أخرى، تتراوح بين الطموحات الأمنية والنكوص السياسي؟


Comments


من 48 - عشان 48

  • Facebook
  • Instagram
bottom of page