عندما تتحول الجريمة إلى استعراض علني.. إلى أين يتجه الأمن في المجتمع العربي؟
- آدم محمد عكاوي
- Jul 11
- 3 min read

لم تعد الجريمة المنظمة في المجتمع العربي داخل إسرائيل تقتصر على حوادث إطلاق النار أو جرائم القتل التي تتصدر العناوين بين الحين والآخر، بل شهدت في السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا ينذر بتصاعد أكثر خطورة. فبعض الجرائم لم تعد تُرتكب في الخفاء، وإنما تُنفذ على مرأى من الجميع، وتُوثق أحيانًا بمقاطع مصورة تُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس تحول الجريمة من فعل سري إلى استعراض علني للقوة والنفوذ.
إن ظهور تسجيلات تُظهر إطلاق النار على محال تجارية أو ممتلكات عامة، إذا ثبتت صحتها، لا يثير القلق بسبب الاعتداء ذاته فحسب، بل بسبب الرسائل التي تحملها هذه المشاهد. فالجريمة هنا تتجاوز حدود الإضرار بالممتلكات، لتتحول إلى وسيلة لترهيب المجتمع، وإشاعة الخوف، وإبراز قدرة الجناة على التحرك في العلن دون اكتراث بالعواقب. وحتى في الحالات التي يصعب فيها التحقق من جميع التفاصيل المتداولة عبر الإنترنت، فإن انتشار هذه المقاطع يسهم في ترسيخ الشعور بانعدام الأمن وتقويض ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على فرض سيادة القانون.
ويعكس هذا المشهد تغيرًا في طبيعة عمل منظمات الجريمة. ففي الماضي، كانت هذه الجماعات تعتمد السرية لتفادي الملاحقة الأمنية، أما اليوم، فقد باتت بعض المجموعات تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لاستعراض النفوذ، وبناء سمعة داخل الأوساط الإجرامية، أو توجيه رسائل تهديد إلى المنافسين والضحايا. وهنا تكمن الخطورة، إذ تتحول الجريمة من مخالفة قانونية إلى أداة للتأثير النفسي والاجتماعي، ومحاولة لفرض واقع يستند إلى الخوف بدلًا من سلطة القانون.
ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي. فأصحاب المصالح التجارية غالبًا ما يكونون أول المتضررين، إذ لا تقتصر الخسائر على الأضرار المادية التي تلحق بالمحال والمنشآت، بل تشمل أيضًا تراجع الثقة بالبيئة الاستثمارية، وارتفاع الشعور بالمخاطر لدى المستثمرين وأصحاب المشاريع الصغيرة. ومع تنامي الخوف من الابتزاز أو الاستهداف، تتراجع وتيرة الاستثمار، ما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي وفرص العمل ومستوى المعيشة في المجتمع.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن تكرار حوادث العنف يترك آثارًا عميقة على الحياة اليومية. فالمواطن الذي يعتاد سماع أصوات إطلاق النار أو مشاهدة مقاطع توثق جرائم عنيفة، يبدأ تدريجيًا بفقدان الشعور بالأمان في محيطه. ويتضاعف هذا الإحساس عندما يسود الاعتقاد بأن مرتكبي الجرائم لا يواجهون محاسبة رادعة أو سريعة، فتتحول حالة الخوف إلى جزء من تفاصيل الحياة، وتلجأ العائلات إلى تغيير أنماطها اليومية، وتقليص حركة أبنائها، وتجنب أماكن بعينها.
في المقابل، تؤكد الشرطة والجهات الرسمية أنها تواصل تنفيذ حملات لمكافحة الجريمة، تشمل مصادرة الأسلحة غير القانونية، وتنفيذ الاعتقالات، وتقديم لوائح اتهام في العديد من القضايا. إلا أن استمرار معدلات العنف المرتفعة في عدد من البلدات العربية يثير تساؤلات متزايدة حول مدى فاعلية هذه الإجراءات، وما إذا كانت تقتصر على معالجة النتائج بعد وقوعها، أم أنها تتصدى أيضًا للأسباب البنيوية التي تغذي انتشار الجريمة المنظمة.
ولا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في تفاقمها، وفي مقدمتها انتشار السلاح غير القانوني، وتراجع الفرص الاقتصادية في بعض المناطق، وقدرة منظمات الجريمة على التغلغل في قطاعات اقتصادية ومالية مختلفة. وهذه العوامل لا تشكل تبريرًا للجريمة، لكنها تساعد في فهم البيئة التي تتيح للشبكات الإجرامية التوسع وتعزيز نفوذها.
وفي الوقت ذاته، تقع على المجتمع المحلي مسؤولية لا تقل أهمية، تتمثل في ترسيخ ثقافة رفض العنف، وتعزيز التعاون مع الجهات المختصة ضمن الأطر القانونية، ودعم المبادرات الشبابية والتربوية التي توفر بدائل إيجابية للأجيال الجديدة. فالتصدي للجريمة لا يمكن أن يقتصر على الأجهزة الأمنية وحدها، بل يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة، والسلطات المحلية، والمؤسسات التعليمية، والقيادات المجتمعية.
كما تتحمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مسؤولية مهنية وأخلاقية في كيفية تناول هذه الأحداث. فالتغطية الصحفية الرصينة ينبغي أن تركز على كشف خطورة الظاهرة وتداعياتها، دون أن تتحول، ولو بصورة غير مباشرة، إلى وسيلة تمنح مرتكبي الجرائم مساحة دعائية أو تسهم في تحقيق أهدافهم القائمة على بث الرعب واستعراض القوة.
وفي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح أي مجتمع بعدد الجرائم التي تُكشف فحسب، بل بقدرته على الحد من وقوعها، وتعزيز ثقة المواطنين بأن القانون هو المرجعية الوحيدة، وأن كل من يلجأ إلى العنف سيخضع للمساءلة دون استثناء.