مزاعم حول عدم المساواة في الحماية الصاروخية داخل البلدات العربية
- اديب الناطور

- Apr 8
- 5 min read

في حزيران/يونيو 2025، سقط صاروخ باليستي على منزل في مدينة طمرة ذات الغالبية العربية في شمال البلاد، ما أسفر عن مقتل أربعة من أفراد عائلة واحدة، في حادثة صادمة أعادت إلى الواجهة مسألة فعالية منظومات الدفاع المتطورة في إسرائيل وحدودها. وقد اعتبر مراقبون أن الضربة “سلّطت الضوء على فجوات الحماية التي تعاني منها الأقلية العربية في إسرائيل”.
وأشار مواطنون عرب إلى أن طمرة تفتقر أصلًا إلى ملاجئ عامة. وفي هذا السياق، كتب رئيس قائمة الجبهة والعربية للتغيير، أيمن عودة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن “الدولة ما زالت تميّز بين دم ودم”، لافتًا إلى أن طمرة مدينة بلا ملاجئ عامة، وهو واقع تشترك فيه بلدات عربية عديدة.
وتعكس المعطيات حجم الفجوة القائمة؛ إذ أظهر تقرير أن نحو 60% من المنازل في البلدات العربية تفتقر إلى غرف آمنة، فيما تغيب الملاجئ العامة عن معظم هذه البلدات. فعلى سبيل المثال، تضم مدينة كرميئيل ذات الأغلبية اليهودية (نحو 37 ألف نسمة) 126 ملجأً عامًا، أي بمعدل ملجأ لكل 375 شخصًا، في حين تتقاسم ثلاث بلدات عربية مجاورة، ذات عدد سكان مشابه مجتمعة، ملجأين فقط، أي بمعدل ملجأ لكل 15 ألف نسمة. وقد جعلت هذه الأرقام، إلى جانب مأساة طمرة، قضية فجوات الحماية في صدارة اهتمامات المواطنين العرب.
الأسباب والسياق
يرى مراقبون أن هذه الفجوات تعود إلى سياسات تخطيطية وتراكمات تاريخية طويلة الأمد. فالكثير من البلدات العربية، لا سيما القرى البدوية في النقب، تظل غير معترف بها أو تفتقر إلى مخططات هيكلية مصادق عليها. ونتيجة لذلك، لا يستطيع السكان الحصول على تراخيص بناء قانونية تتيح إقامة غرف محصنة، كما تغيب الملاجئ العامة عن هذه المناطق.
وفي عشرات القرى البدوية غير المعترف بها، التي يقطنها نحو 100 ألف نسمة، تشير تقديرات باحثين في مجال حقوق الإنسان إلى أن “نحو 92% من السكان يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى أماكن محمية وفق المعايير”. وبذلك، تُستثنى هذه التجمعات فعليًا من خريطة الحماية الصاروخية؛ إذ تفيد تقارير بأن تصنيف أراضيها كـ“غير مأهولة” قد يؤدي إلى عدم شمولها ضمن منظومة الدفاع الصاروخي، ما يترك السكان دون حماية كافية عند سقوط الصواريخ.
كما لعبت أولويات الميزانيات والإجراءات البيروقراطية دورًا إضافيًا في تكريس هذه الفجوات. فقد أشار تقرير لمراقب الدولة عام 2018 إلى أن 46% من المواطنين العرب يعيشون في منازل لا تحتوي على ملاجئ مطلوبة قانونيًا، مقارنة بـ26% من مجمل السكان في إسرائيل. وتعتمد معايير الحماية المدنية في البلاد إلى حد كبير على البناء الحديث؛ إذ يُلزم القانون، منذ تسعينيات القرن الماضي، بإقامة غرفة آمنة في كل منزل جديد. غير أن العديد من المواطنين العرب يضطرون للبناء دون تصاريح، ما يضعهم خارج نطاق هذه المعايير.
عمليًا، يرى ناشطون أن الجهات الرسمية تعاملت لفترة طويلة مع مسألة الملاجئ باعتبارها مسؤولية السلطات المحلية أو الأفراد، بدل أن تكون جزءًا من سياسة حكومية شاملة. وفي هذا السياق، قال أحد النشطاء: “هذه قضية عدالة ومساواة. الدولة تهتم بالسكان اليهود وتتجاهل العرب… هذا ليس أمرًا جديدًا، بل هو قرار سياسي.”
أمثلة حديثة (خلال السنوات الخمس الأخيرة)
طمرة (حزيران/يونيو 2025، الجليل الأعلى): خلال تبادل إطلاق الصواريخ بين إيران وإسرائيل، أصاب صاروخ باليستي إيراني منزلًا خاصًا في طمرة، ما أدى إلى مقتل أربع نساء من عائلة الخطيب. وأشار السكان إلى أن المدينة تفتقر إلى الملاجئ العامة، ما جعلها عمليًا دون حماية تُذكر. وقد تحوّلت الحادثة إلى قضية رأي عام، مسلّطة الضوء على فجوات الحماية المدنية في البلدات العربية.
مجد الكروم (تشرين الأول/أكتوبر 2024، شمال البلاد): في أعقاب إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه مدن قريبة، يُعتقد أنها كانت تستهدف كرميئيل، سقط أحد الصواريخ في سوق ببلدة مجد الكروم، ما أسفر عن مقتل شابين عربيين (19 و21 عامًا) وإصابة آخرين. وأثارت الحادثة تساؤلات حول سرعة الاستجابة وإمكانية الوصول إلى الملاجئ في البلدات العربية القريبة من الحدود، حيث تندر الملاجئ المحصنة.
شفا عمرو (تشرين الأول/أكتوبر 2024، قرب حيفا): في هجوم صاروخي آخر، أصابت شظايا صواريخ تم اعتراضها السيدة مينا حسون (35 عامًا) ونجلها كرمي (10 أعوام) أثناء عملهما في قطف الزيتون في أطراف المدينة، ما أدى إلى مقتلهما. ولم يكن الاثنان قريبين من أي ملجأ لحظة سقوط الشظايا، ما أعاد طرح مسألة انعدام الحماية للعمال في الحقول، وهي ظاهرة تشمل المجتمعين العربي واليهودي على حد سواء.
وتعكس هذه الحالات نمطًا أوسع، كما في حوادث سابقة، بينها سقوط صواريخ على مدينة رهط عام 2023، حيث عبّر السكان عن شعورهم بالعجز بقولهم إنهم “يجلسون في منازلهم، يشاهدون الاعتراضات في السماء، ويصلّون”. وفي كل هذه الحالات، شدّد السكان على أن غياب الملاجئ أو الغرف المحصنة في بلداتهم حوّل انحرافات طفيفة في مسار الصواريخ إلى نتائج قاتلة.
الاستجابات والحلول المقترحة
في مواجهة هذا الواقع، صعّد قادة المجتمع العربي ومنظمات حقوقية وهيئات أهلية من مطالبهم بإحداث تغيير جذري. وعلى الصعيد البرلماني، دعا نواب عرب، وفي مقدمتهم أيمن عودة، الحكومة إلى بناء ملاجئ في البلدات العربية، مستخدمين المنابر البرلمانية ووسائل التواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على القضية.
كما تقدّمت منظمات حقوقية، مثل “مركز العمل الديني من أجل العدالة” (IRAC) و”عدالة”، بالتماسات إلى المحكمة العليا لإلزام الدولة بضمان توزيع عادل لوسائل الحماية. وفي عام 2024، رُفعت دعوى بهذا الشأن، غير أن المحكمة العليا قضت بأن مسؤولية بناء الملاجئ تقع بالدرجة الأولى على عاتق السلطات المحلية أو الأفراد، وليس ضمن صلاحيات المحكمة فرضها مباشرة، رغم تأكيدها على واجب الدولة في حماية مواطنيها.
بالتوازي، برزت مبادرات من المجتمع المدني، حيث عملت منظمات غير حكومية، بدعم من جهات دولية، على إقامة مئات الملاجئ المؤقتة في مناطق عربية تُصنّف كأكثر عرضة للخطر. ووفق معطيات منشورة، تم نصب نحو 700 ملجأ متنقل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك في بلدات مختلطة، رغم تأكيد ناشطين أن هذه الخطوات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الحاجة.
كما أطلقت حركات يهودية-عربية مشتركة حملات تمويل جماعي لبناء ملاجئ في القرى البدوية، فيما بادرت جمعيات محلية إلى تنظيم تدريبات على الاستجابة للطوارئ والإسعافات الأولية تحت شعارات تؤكد ضرورة عدم ترك المجتمع العربي دون حماية.
وشهدت الساحة أيضًا احتجاجات شعبية وعرائض وقّعها مواطنون ولجان محلية، طالبت الحكومة بتطبيق قوانين التخطيط بشكل عادل وتخصيص ميزانيات طارئة للبلدات العربية.
أما على المستوى المحلي، فقد بدأت بعض السلطات البلدية باتخاذ خطوات أولية، مثل إعداد خرائط للملاجئ أو تشجيع بناء غرف آمنة. ومع ذلك، يؤكد ناشطون أن تحقيق تقدم ملموس يتطلب تغييرات على مستوى السياسات الوطنية، تشمل تسهيل إجراءات الترخيص والاستثمار في البنية التحتية، بما يضمن قدرة جميع البلدات على تلبية متطلبات الحماية المدنية. ويحذّر باحثون في مجال حقوق الإنسان من أن الانتظار حتى اندلاع جولة تصعيد جديدة ليس خيارًا ممكنًا.
التداعيات
لا تقتصر تداعيات هذه الفجوات على حادثة بعينها، بل تمتد لتؤثر على أسس الثقة والمساواة داخل المجتمع في إسرائيل. ويحذّر خبراء من أن التفاوت في منظومات الحماية الصاروخية يقوّض الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويعمّق الإحساس بانعدام العدالة. وخلص “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” إلى أن هذا الخلل “يفرض على المواطنين العرب العيش في حالة خطر دائم”، بما يمسّ بحقوقهم الأساسية في الحياة والمساواة.
كما أظهر استطلاع للرأي أن نحو 60% من المواطنين العرب يرون أن الدولة لا توفّر مستوى الحماية ذاته في بلداتهم مقارنة بالبلدات اليهودية. وقد أسهم هذا الشعور بالتعامل كـ“مواطنين من درجة ثانية” في تغذية الغضب وتعميق الإحساس بالاغتراب. وفي أعقاب مأساة طمرة، وصف أحد العاملين الاجتماعيين الضربة الصاروخية بأنها “ضربة ثانية” تتمثل في العنصرية، وهو توصيف وجد صداه على منصات التواصل الاجتماعي. في المقابل، عبّر مواطنون يهود زاروا المدينة عن رفضهم للعنصرية وتضامنهم مع العائلات المفجوعة، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لعمق الفجوة القائمة.
على المستوى الاستراتيجي، يشكّل غياب المساواة في الحماية المدنية خطرًا أوسع. إذ يرى منتقدون أن حرمان مئات آلاف المواطنين من وسائل الحماية ينعكس سلبًا على المعنويات والتماسك المجتمعي في أوقات الحرب. ويحذّر قادة من المجتمع العربي من أن هذا الإهمال يقوّض فكرة “المصير المشترك”، متسائلين عن أسباب التعامل المختلف مع مواطنين يواجهون التهديد ذاته. عمليًا، يؤدي غياب الملاجئ في بعض المناطق إلى زيادة الضغط على خدمات الطوارئ، وقد يخلق “مناطق خطرة” تتراكم فيها الإصابات، ما يعرقل عمليات الإنقاذ والاستجابة.
في المحصلة، تحوّلت قضية الملاجئ والحماية الصاروخية في البلدات العربية إلى مرآة لقضايا أعمق، من بينها ضعف الاستثمار في السلطات المحلية العربية، والفجوات في سياسات التخطيط، والشعور المتزايد بالتهميش. وكما قال أحد خبراء التخطيط العمراني: “القضية لا تتعلق بالملاجئ فقط… بل تعكس فجوات واسعة من الإهمال والحرمان في مجالات متعددة”.
ويرى مراقبون أنه ما لم تُتخذ خطوات جدية لتقليص هذه الفجوات، فإن شعور المواطنين العرب بالإقصاء قد يتفاقم، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واجتماعية بعيدة المدى على الدولة.
Comments