الاعتقال الإداري يتصاعد ضد الشباب العرب منذ حرب غزة
- عشان 48

- Apr 29
- 3 min read

تشهد سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين في أراضي الـ48 تصعيدًا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، وسط تحذيرات متزايدة من مؤسسات حقوقية ومحامين من تحوّل هذا الإجراء الأمني الاستثنائي إلى أداة دائمة للاحتجاز دون محاكمة أو لوائح اتهام واضحة.
وبحسب معطيات جُمعت خلال الأعوام الممتدة بين 2020 و2025، فقد تداولت المحاكم الإسرائيلية نحو 560 ملف اعتقال إداري، معظمها سُجل بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في مؤشر يصفه حقوقيون بأنه “تحول جذري” في استخدام هذا النوع من الاعتقال ضد الشباب العرب داخل إسرائيل.
وتكشف الأرقام عن ارتفاع حاد في أوامر الاعتقال الإداري منذ بدء الحرب، حيث تجاوز عدد المعتقلين الإداريين خلال عام 2024 وحده أكثر من 130 معتقلًا، بعضهم أُفرج عنه لاحقًا بينما لا يزال آخرون رهن الاحتجاز بعد تمديد أوامر اعتقالهم مرارًا دون تقديم لوائح اتهام رسمية.
أما خلال عام 2025، فقد اعتُقل قرابة 100 شاب عربي إداريًا، في حين سُجل منذ بداية عام 2026 أكثر من 35 حالة اعتقال إداري جديدة من مختلف البلدات العربية، ما يعكس استمرار المنحى التصاعدي لهذه السياسة.
محكمة حيفا في الصدارة… و300 ملف بعد الحرب
وتُظهر البيانات أن المحكمة المركزية في حيفا تصدرت عدد ملفات الاعتقال الإداري منذ عام 2020، خاصة بعد الحرب على غزة، إذ تم تداول 71 ملفًا إداريًا فيها، تليها المحكمة المركزية في منطقة المركز بـ56 ملفًا، ثم محكمة الناصرة بـ33 ملفًا، بينما سجلت محكمة بئر السبع 24 ملفًا، معظمها أيضًا بعد اندلاع الحرب.
كما تشير المعطيات إلى أنه منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى أيار/ مايو 2025، جرى تداول نحو 300 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية، في أرقام يعتبرها مختصون “غير مسبوقة” مقارنة بالسنوات السابقة.
“مواد سرية” ومحاكم مغلقة
ويستند الاعتقال الإداري في إسرائيل إلى ما يُعرف بـ”المواد السرية”، وهي معلومات لا يُسمح للمعتقل أو لمحاميه بالاطلاع عليها، ويتم بحثها داخل جلسات مغلقة، الأمر الذي يحد بشكل كبير من قدرة الدفاع على مواجهة الاتهامات أو تفنيدها.
وتصل مدة الاعتقال الإداري إلى ستة أشهر قابلة للتجديد مرات غير محدودة، ما يعني فعليًا إمكانية إبقاء المعتقل خلف القضبان لفترات طويلة دون محاكمة أو معرفة التهم الموجهة إليه. ويرى حقوقيون أن هذه الآلية تحوّل الاعتقال الإداري إلى شكل من أشكال الاحتجاز المفتوح، في ظل غياب الشفافية وتقييد حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
خمايسي: “الشاباك” يهيمن على المشهد القضائي
مدير عام مؤسسة “ميزان لحقوق الإنسان”، المحامي عمر خمايسي، قال إن أجواء الحرب والهاجس الأمني باتا يسيطران على المنظومة القضائية والأمنية، خصوصًا في ما يتعلق بملفات الشبان العرب.
وأوضح أن الاعتقالات الإدارية شهدت بعد الحرب على غزة “قفزة غير مسبوقة”، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الملفات يفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية، بسبب الاعتماد الكامل تقريبًا على الأدلة السرية والجلسات المغلقة.
وأضاف خمايسي أن أوامر الاعتقال الإداري تصدر مباشرة عن وزير الأمن الإسرائيلي، وتُمدد بشكل متكرر دون سقف زمني واضح، لافتًا إلى أن هذه السياسة توسعت لتشمل مناطق المثلث والجليل والنقب والشمال.
كما اعتبر أن المحاكم الإسرائيلية غالبًا ما تتماهى مع توصيات الأجهزة الأمنية، حيث يتم تمديد أوامر الاعتقال بدل الإفراج عن المعتقلين حتى في القضايا التي تفتقر إلى أدلة كافية.
مراقبة رقمية وشبهات فضفاضة
وأشار خمايسي إلى أن كثيرًا من ملفات الاعتقال الإداري تعتمد على شبهات متكررة مثل “التواصل مع جهات معادية” أو “الانتماء لتنظيم محظور” أو “التخطيط للمساس بأمن الدولة”، موضحًا أن هذه الادعاءات تُبنى أحيانًا على نشاطات رقمية أو منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وحذّر من توسع الرقابة الرقمية واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تتبع المستخدمين، معتبرًا أن بعض الأنشطة الإلكترونية قد تُفسر أمنيًا وتُستخدم لتبرير الاعتقال الإداري، خاصة في ظل تقلص هامش الحريات خلال فترات الحرب.
“عدالة”: الاعتقال الإداري أصبح أداة دائمة
من جهتها، قالت المحامية هديل أبو صالح من مركز “عدالة” الحقوقي إن ما جرى بعد حرب غزة لم يكن مجرد ارتفاع عددي في الاعتقالات، بل “تحول جوهري” في وظيفة الاعتقال الإداري نفسه.
وأكدت أن هذا الإجراء بات يُستخدم كأداة مركزية للاحتجاز المفتوح، عبر أوامر جماعية وتجديدات متكررة دون لوائح اتهام، ما يحول الشبهة الأمنية إلى أساس دائم للاعتقال بدل الإثبات القضائي.
وأضافت أن القضاء الإسرائيلي، بما فيه المحكمة العليا، لا يمارس رقابة فعلية على هذه السياسة، بل يمنحها غطاءً قانونيًا من خلال الاعتماد شبه الكامل على “المواد السرية”، الأمر الذي يفرغ حق الدفاع من مضمونه الحقيقي.
اتهامات بازدواجية المعايير
وتحدثت أبو صالح وخمايسي عن وجود “تمييز بنيوي” في تطبيق سياسة الاعتقال الإداري، إذ تُستخدم بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، بينما لا تُطبق بنفس الطريقة على مواطنين يهود متورطين في اعتداءات ضد فلسطينيين.
وأشار خمايسي إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قرر مطلع عام 2025 إلغاء استخدام الاعتقال الإداري بحق اليهود المتورطين في اعتداءات بالضفة الغربية، رغم تصاعد الهجمات ضد الفلسطينيين هناك، وهو ما اعتبره دليلًا على “ازدواجية واضحة في إنفاذ القانون”.
مخاوف من انتهاك القانون الدولي
ويرى حقوقيون أن استمرار استخدام الاعتقال الإداري بهذا الشكل يتعارض مع مبادئ القانون الدولي، خاصة ما يتعلق بحظر الاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة.
كما يحذرون من أن تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسة يومية قد يؤدي إلى تكريس نظام قانوني قائم على التمييز والاحتجاز المفتوح، في ظل غياب الرقابة القضائية الفعلية واعتماد المحاكم على الرواية الأمنية دون مساءلة حقيقية.
Comments