"متحرّش، اعتزل": ليست حملة ضدّ القيادات العربية، بل من أجلها
- سماح سلايمة

- Aug 12
- 8 min read
أعترف: أنوي أن أُدلي بصوتي في الانتخابات المقبلة، ولا أريد أن يذهب صوتٌ واحد من مجتمعنا الفلسطيني سُدًى. أريد تمثيلًا عربيًا كبيرًا وقويًا ومؤثّرًا في الكنيست، وفي كل موقع يُخاض فيه نضالٌ من أجلي. وأعرف في الوقت نفسه، جيّدًا، أنّ من سيُنتخبون، نساءً ورجالًا، لن يمثّلوا كل مواقفي. متأكدة أننا لن نتّفق معهم على كل قرار، وأننا لن نفخر بكل ما فعلوه على مدى عشرات السنين من العمل العام والاجتماعي.

وموسم الانتخابات، مهما بلغ من المصيريّة، ليس صكّ تنازل شاملًا عن النقد ومراجعة الذات واستخلاص العِبَر. والحاجة الملحّة إلى تمثيل سياسيّ موحّد ومتين لا ينبغي أن تتحوّل إلى إعفاء من المسؤولية، بل العكس، تحديدًا لأنّ تمثيلنا بهذه الأهمية في هذه اللحظة الحرجة، يحقّ لنا، بل هو واجب علينا أن نطلب منه أكثر.
هذا، في نظري، هو جوهر حملة "متحرّش اعتزل" التي أطلقتها جمعية "نساء ضد العنف"، و"السوار - حركة نسوية عربية". فالنساء اللواتي يقفن خلفها لا يسعين إلى تفكيك "جبهتنا الوطنية" أو إضعافها، ولا إلى إقناع الناس بالبقاء في بيوتهم يوم الاقتراع. إنهنّ يطلبن رفع السقف الذي نضعه أمام من يريدون قيادتنا ونيل ثقة الناخبين من كل الأحزاب، وعلى كل مستويات العمل السياسي في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل؛ في لجنة المتابعة، وفي الأحزاب، وفي السلطات المحلية، وفي المجتمع المدني، ونعم، في الكنيست أيضًا.
لكي تجد فتاةٌ في المرحلة الثانوية القوّة لتقدّم شكوى ضد معلّم يتحرّش بجسدها مرّة بعد مرّة، عليها أن تكون واثقة من أنّ مدير المدرسة سيفهمها ويسندها، وأنّ المفتّش سيفعل مثله، وأنّ مدير دائرة المعارف في المجلس، ومن فوقه رئيس المجلس، سيحملان الموقف الأخلاقي الواضح نفسه ضدّ التحرّش الجنسي في الفضاء العام، وفي مكان العمل، وفي المدرسة.
تخيّلوا الآن أنّ رئيس المجلس نفسه متحرّشٌ جنسيّ متسلسل. السكرتيرة تعرف، وموظفاتٌ أخريات في المجلس على دراية بالمشكلة أيضًا. يجلس رئيس المجلس في جلسة طارئة في لجنة المتابعة، ويتحدّث عن توحيد الصفوف لمواجهة سياسة التقليصات في وزارة المعارف التي ستضرّ بشبيبة قريته. يُعِدّ ورقة موقف ويسافر إلى الكنيست ليتحدّث عن ميزانية التعليم في لجنة التربية والتعليم، ويعقد لقاءات مع ممثّلي الوزارة. وبسبب الضرر البالغ وتقليصات وزارة المالية، من بين أمور أخرى، يوشك مشروع الحماية المدرسية أن يُلغى، ثم يجلس إلى جانبه عضو كنيست، خبيرٌ في البرامج الحكومية وفي تحصيل حقوق المواطنين العرب، متحمّسًا، يخطب ببلاغة وحزم عن أهمية توفير أجواء مدرسية آمنة لشبيبتنا، من أجل محاربة العنف في مجتمعنا.
هذا هو الهدف الأساسي للحملة: التأكّد والعمل على أنّ الرجال الذين يطمحون، ويحلمون بتبوّئ مواقع مفتاحية في المجتمع يحملون أيضًا منظومة قيم ومواقف أخلاقية، وسلوكًا فعليًا يحترم لا القانون فحسب، بل نساء مجتمعنا أيضًا. لذلك، في المدرسة وفي جهاز التربية والتعليم، وفي المجلس، وفي لجنة المتابعة، وفي الأحزاب السياسية، كنتم ستفضّلون قيادةً تعرف ما ينبغي فعله. وفي هذه الحالة، ما هو التصرف الممنوع، أليس كذلك؟
نريد مجتمعًا ينعم، يومًا ما، بقيادة ممتازة وكفؤ سياسيًا ووطنيًا واجتماعيًا ونسويًا أيضًا. هذا الحلم لا يزال بعيدًا، ونحن ندرك ذلك، لكنّ كون السقف بعيدًا ليس سببًا لخفضه إكرامًا لفلان أو علّان.
تدعو الحملة الرجال الذين بلغوا مواقع مفتاحية ويواصلون مسيرتهم السياسية، فيما تحوم فوق رؤوسهم غيمةٌ قاتمة من شبهات التحرّش الجنسي، إلى أن يفكّروا ويحاسبوا أنفسهم ويتحمّلوا المسؤولية ويتنحّوا جانبًا. تمامًا كما جاء في بيان الحملة: الاحترام الأساسي للنساء يجب أن يكون شرطًا للقيادة، لا تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاهله.
منذ عام 2019، وفي أعقاب حملة "كل يوم شهادة" التي أطلقتها "السوار"، حلّلتُ بمقالتي السابقة الآلية التي تتيح لأشخاص رُفعت ضدّهم شهاداتٌ وقصصٌ موثّقة عن التحرّش الجنسي أن يواصلوا تقدّمهم كأنّ شيئًا لم يكن؛ مدير مدرسة ينتقل إلى وظيفة تفتيش، وناشطٌ سياسي يتنافس على المنصب التالي في حزبه، ومنظّمةٌ رفعت المساواة والعدل شعارًا لها تسند شخصية بارزة حتى النهاية، و"القافلة تسير". حتى حينها اتُّهمت النسويّات، اللواتي يصررن على إسماع أصوات الضحايا، بأنهنّ يُحدثن ضجيجًا ناشزًا، ويعرقلن "النضال الوطني المقدّس والعادل".
للأسف، وبعد نحو سبع سنوات، يصعب الادّعاء أنّ هذه الآفة اختفت من ديارنا، فمن الواضح أنها لم تختفِ، لكنّ نساءً فلسطينيات يتجرّأن على الكلام والشهادة والتوثيق وإسماع الصوت، على الأقل، تصدّع حاجز الخجل و"الفضيحة" أمام الضحايا، وهذه خطوةٌ ذات معنى في الاتجاه الصحيح.
صدر مؤخّرًا بحث جديد لميساء ارشيد والدكتورة عرين هواري عن "مدى الكرمل"، يتناول الردّ النسوي الفلسطيني على ظاهرة الاعتداءات الجنسية من قِبَل شخصيات عامة. ويعود إلى تلك الحملة، وإلى الخلافات التي أثارتها وما جرى بعدها. والخلاصة المركّبة: نجحت الحملة في كسر الصمت، وفي رفع القضية إلى جدول الأعمال، وفي منح النساء إحساسًا بأنهنّ لسن وحدهنّ، لكنها لم تنجح في إنتاج القدر نفسه من المساءلة المؤسسية، واستخلاص العِبَر، وتغيير آليات القوة والهيمنة الذكورية التي تتيح تقدّم المتحرّشين على سُلّم المسيرة السياسية.
ولو أجرينا استطلاعًا للمواقف بين الشخصيات العامة والسياسيين العرب وغير العرب أيضًا، لما وجدنا تقريبًا مرشّحًا واحدًا لا يشجب الاعتداءات الجنسية على النساء، ويتبرّأ منها ويعارضها. وعلى مستوى التصريحات، القادة العرب نسويّون راديكاليون. أمّا على المستوى العملي، فلم نجد بعدُ "آخر الرجال الصالحين"، الذي تحمّل المسؤولية ودفع ثمنًا عن جرائم جنسية يُخشى أنه ارتكبها في الماضي.
يورد بحث هواري وارشيد أيضًا الأصوات التي سُمعت آنذاك: نقدٌ نسويّ للحملة، ولنشر أسماء الرجال الذين جُمعت ضدّهم شهادات عام 2019، ولمسألة الإجراء العادل الذي يحفظ كرامة المتّهمين أيضًا. الحملة الحالية لا تذكر أسماء المتحرّشين ذِكرًا مباشرًا، والافتراض أنّ من يريد أن يعرف عمّن يدور الحديث لن يصعب عليه الأمر. والأهمّ أنّ هؤلاء الرجال يعرفون ما فعلوه في الماضي، والمطلوب منهم أن يحاسبوا أنفسهم.
وكما هو متوقّع، تثير صور الحملة ورسائلها والتوقيت قبيل الانتخابات ومطلب حملة "متحرّش اعتزل" نقاشًا على الشبكات، فيتكرّر السؤال الأساسي: "لماذا الآن بالذات؟".
طلب مني ناشطون حزبيون ألّا أروّج للحملة، أو على الأقل أن أؤجّل المقال حتى تشكيل القائمة المشتركة، فسألتُ ما العلاقة؟ فشرحوا لي صراحةً أنّ ذلك سيصرف انتباه الرأي العام عن الأساس، الذي هو إسقاط حكومة اليمين الفاشية، وسيمنح "العدوّ السياسي" وقودًا دعائيًا.
أمّا "العدوّ السياسي" فإنّه لا يعوزه ما يستمدّه من النسويّات ليحاربكم، فاعتبروا هذا تمرينًا صغيرًا استعدادًا للمعركة السياسية عشيّة الانتخابات. نحن على أي حال مُدانات دائمًا، فقبل فترة قصيرة هاجم قائدٌ دينيّ "عظيم" مديرة "نساء ضد العنف" شخصيًا، واتهمها بأنّها مصدر العنف والجريمة والخراب في مجتمعنا، وماذا فعل حزبكم وقتها؟ لا شيء، بل زاره زيارة تضامن لأنّ الدولة "تلاحقه سياسيًا"! هكذا أجبتُ.
وكتب محام على الشبكة أنه يعارض كل أشكال التحرّش، لكنه تساءل لماذا تُطلَق الحملة في فترة سياسية حسّاسة وقبيل الانتخابات، في حين أنّ الأولوية في رأيه يجب أن تكون محاربة حكومة اليمين وسياستها، وذكّر أيضًا بأنّ هناك شرطة ومحاكم وإجراءات قانونية.
وهذا سؤالٌ سياسيّ مشروع، لكنّ الجواب، في نظري، يكمن في داخله: إذا كان شخصٌ يطلب الآن ثقة الجمهور وصوته والقوة ليمثّله، فالآن بالذات هو الوقت المناسب لنسأل عن موقفه من القضية، وعن السقف الذي نطلبه منه.
صاغت الناشطة السياسية، إيناس خطيب، الأمر على الشبكة ببساطة أكبر: "التحرّش الجنسي ليس جريمة موسمية"، ولذلك لا وجود لموسم "صحيح" لمحاربته. بل العكس، قبيل الانتخابات يصبح السؤال أكثر إلحاحًا، لأنّ الحديث عن أناس يطلبون قوّةً عامة. وإذا انتظرنا دائمًا اللحظة المريحة بعد الانتخابات، بعد هذه الحكومة، وبعد الأزمة القادمة، وبعد الحرب القادمة، فإنّ "مش وقته" ستتحوّل فعليًا إلى "ولا مرة رح يجي وقته".
وهكذا تجيب مديرة "السوار" في برنامج إذاعي على راديو الشمس عن سؤال التوقيت: "الحملة تهدف إلى إحداث صدمة (Shock)، كي يتّخذ الناس موقفًا ويتحرّكوا. اختيار هذا التوقيت، في ظلّ الانتخابات، بالغ الأهمية. نقول للأحزاب والمؤسسات والجمعيات: ابنوا ’بروتوكولات’ لكيفية تعاملكم مع المتحرّشين. لا بدّ من مواجهة الظاهرة لا إنكارها"، وتوضّح أنّ هذا جهدٌ مشترك، لا يخصّ منظّمات النساء وحدها.
الحجّة الثانية: اذهبن إلى الشرطة، هناك قانون.
سمعناها هي أيضًا، وفيها مفارقةٌ سياسية ليست بالصغيرة. القيادة الفلسطينية نفسها التي تُحسن الحديث عن التمييز والملاحقة وانعدام الثقة المبرَّر بالشرطة وبالمنظومة الإسرائيلية، والتي تعرف كيف تشرح لماذا لا يرى الفلسطينيون في هذه المؤسسات عنوانًا آمنًا دائمًا، تكتشف فجأة إيمانًا شبه مطلق بالإجراء الجنائي حين تروي امرأةٌ قصة تحرّش. حين يرفض رجالٌ فلسطينيون التعاون مع الشرطة، يُعدّون معارضين شجعانًا لنظام كولونيالي قمعي؛ وحين ترفض نساءٌ فلسطينيات أن يرين في هذه المنظومة الطريق الوحيد إلى العدالة، يتحوّلن فورًا إلى مُخرّبات للنضال الوطني.
في بحث "مدى الكرمل"، تقول ممثلة "السوار"، باقتباس حر، إنه لو أُتيح للنساء امتياز التوجّه إلى الشرطة من دون أن يدفعن ثمنًا، وهنّ يعلمن أنهنّ سيُصدَّقن وسيُحمَين، لوصلت الحالات إلى هناك بالطبع. ويشدّد البحث على أنّ الحملة لم تولد من عدم معرفة بالمسارات القائمة، بل بعد سنوات من العمل مع الضحايا ومرافقتهنّ ومعرفة حدودها، وانعدام الثقة بآلية العدالة الإسرائيلية.
هذا لا يعني أنّ شهادةً مكتوبة ومفصّلة تعادل إدانة، لا توجد لوائح اتهام في الحالات التي تدور حولها الحملة الحالية. وإن وُجد ولو شكّ صغير في أنّ شخصًا لم يفعل ما يُنسب إليه، فيجب أن يُتاح له أن يُسمِع صوته ويعرض روايته.
لكن بين "الإدانة الجنائية" و"لم يحدث شيء" ثمّة فضاءٌ عامّ كامل نوجد فيه جميعًا. كل ضحية تحرّش جنسي تطلب أحيانًا عدالةً لنفسها، وأحيانًا إسماع صوت وتحرير عبء الأذى النفسي إلى فضاء العالم، وأحيانًا التعافي. في هذا الفضاء ثمة تحقيقٌ مستقل، وحقّ ردّ، ولجنةٌ مؤسسية، وقواعد أخلاقية وآليات لحماية الضحايا، وفي الحالات المناسبة قرارٌ أيضًا بأنّ شخصًا ما لا يمكنه الاستمرار في موقع قيادي. ومن يطلب قيادة جمهور، فإنّه مطالَبٌ بمعيار أوسع من مجرّد السؤال إن قُدّمت ضدّه لائحة اتهام؟
ثمّة إبادةٌ في غزة... من يقدر الآن على التفكير في التحرّش الجنسي؟
الحرب والإبادة في غزة دفعتا، كما هو متوقّع، قضايا اجتماعية وجندرية أخرى إلى الهامش، وليس التحرّش الجنسي وحده، حتى بات الانشغال بها يكاد يُعدّ غير شرعي. أفهم جيّدًا مراتب الأمور، ولا منافسة هنا بين إبادة جماعية وبين هذه القضايا على اهتمام الرأي العام. لكنني أرفض أن أقبل الاستنتاج القائل إنّ على النساء أن يرجعن إلى الدُّرج، حتى يمنحهنّ التاريخ نافذةً زمنية فارغة.
لا يوجد تراتُبٌ نُحرّر فيه الشعب أولًا، ثم نعالج العنف ضد النساء، وفي النهاية، إن بقي وقت نتحدّث حينها عن التحرّش الجنسي. النساء جزءٌ من هذا الشعب، وأجسادهنّ وأمنهنّ وحقّهنّ في المشاركة في الحياة العامة ليست بندًا جانبيًا في المشروع الوطني، وإذا كانت الحرية والكرامة والمساواة هي القيم التي نناضل باسمها، فعليها أن تسري داخل مجتمعنا أيضًا.
"من يموّلكنّ وما أجندتكنّ؟"
كتبت ناشطة في الجبهة أنّ المنظّمات النسوية "استوردت ثقافات غربية"، وسألت لماذا تذكّرن الآن حملة "متحرّش اعتزل" التي لم "تولد أمس"؟ والحقيقة أنها محقّة: هي لم تولد أمس. على مدى سنوات جمعت منظّمات الإغاثة وأصغت ووثّقت الشهادات، وفي مرحلة ما نشرتها، وأدارت حملات لرفع الوعي وتشجيع دعم الضحايا، وغير ذلك، لم يتذكّرن أمس.
أمّا حجّة "الأجندة الغربية" فقد سمعناها أيضًا حين نتحدّث عن المحاكم الشرعية، وعن قتل النساء، وعن التمثيل السياسي، أو عن التحرّش الجنسي، دائمًا ما يمكن نقل النقاش من المشكلة إلى المنظّمة التي تتحدّث عنها.
توضّح مديرة "السوار"، لمياء نعامنة، في مقابلة أُجريت معها في الثامن من آب/ أغسطس على راديو الشمس: "نحن منظّمات غير حزبية. لم يضغط علينا أحد. رسائل الحملة تصدر من ألم، ومن عمل مهنيّ وتجربة امتدّت ثلاثين عامًا في الإصغاء إلى نساء شعرن بانعدام الأمان. الهدف أن يكون مجتمعنا آمنًا، وألّا يظنّ أيّ إنسان أنه فوق المساءلة".
الحديث هنا عن نسويّة فلسطينية بُنيت هنا على مدى عشرات السنين؛ في مراكز الإغاثة، وخطوط الطوارئ، والمرافقة القانونية والنفسية، والعمل المجتمعي، وحماية النساء. تمأسُس هذا العمل مستمرّ منذ أوائل التسعينيات. يمكن، بل يجب، أن نطالب المنظّمات بالشفافية، لكن إذا كان سؤال التمويل يطلّ برأسه أساسًا حين تضع النساء علامة استفهام فوق سلوك رجل صاحب قوّة، فإنه يكفّ عن أن يكون سؤالًا عن الشفافية، ويصبح تكتيكًا للتخوين وإسكات الأفواه.
جاهزات للمعركة
يتهم ناشطون على الشبكة المنظّمتين بمحاولة تصفية حسابات، وملاحقة شخصيات عامة بارزة.
"تصفية حسابات"؟ تسأل نعامنة، نحن نعمل منذ ثلاثين عامًا، لدينا مرافقة قانونية، ونصدّق الناجيات. هذا ليس شعارًا. نحن نتحقّق من بلاغات متكرّرة جُمعت، ونحن جاهزات لأيّ تحقيق أو دعوى".
وخلال الحملة أعدّت الناشطات رسالةً وقصّة تصدر كل يوم إثنين وخميس، عن نساء كنّ ضحايا اعتداء. "البرنامج متواصل ونحن مستمرّات"، تشدّد نعامنة، "لا حصانة لأحد، مهما بلغت قوّته. إذا هدّدونا وقاضونا نحن محميّات. تحقّقنا من كل كلمة، ونحن جاهزات للمعركة. أهلًا وسهلًا".
وهنا أيضًا موضع الحديث عن البيئة التي تتيح لهذه القوة أن تستمرّ. كتب الصحافي سليم سلامة، ردًّا على الحملة، أنّ من يستر ويحتضن ويرقّي ويحمي متحرّشًا يصبح شريكًا، على الأقل بالمعنى الإنساني والأخلاقي، في استمرار الأذى. يمكن الاختلاف على حدّة الصياغة، لكن لا يمكن تجاهل المبدأ: القوة العامة لا تقوم وحدها، إنها تستند إلى أحزاب ومؤسسات ووسائل إعلام، وزملاء وأصدقاء يمنحونها منبرًا وشرعية.
وهذا أيضًا أحد الدروس المهمّة: لا يمكن تحميل منظّمات النساء وحدها مسؤولية اختراع منظومة عدالة بديلة. المسؤولية هي أيضًا مسؤولية الأحزاب ومنظّمات المجتمع المدني والأطر الوطنية، التي عليها أن تبني آليات تجمع بين الإصغاء إلى الضحايا، والنزاهة والتحقيق والمساءلة.
وأخيرًا، "المصلحة العامة". هنا لعلّنا أصبنا لبّ المشكلة؛ فعلى مدى سنوات طُلب من النساء أن يصمتن باسم العائلة والحزب والمنظّمة والوحدة الوطنية والمصلحة العامة. بيان حملة "متحرّش اعتزل" يقول العكس تمامًا: لا حصانة أخلاقية تأتي مع منصب، أو ماض نضالي، أو مكانة عامة.
وقبل كل شيء، لا بدّ من التذكير بأمر بسيط: مصلحة النساء هي جزء من "المصلحة العامّة" نفسها
أريد تمثيلًا عربيًا في الكنيست. سأصوّت من أجله. أريد أن يستخدم مجتمعنا كل ما لديه من قوة سياسية، وألّا يتنازل عن أيّ صوت. ولهذا بالذات أريد أن نتوقّف عن التعامل مع نقد قادتنا بوصفه تهديدًا لتمثيلنا. المجتمع القوي ليس مجتمعًا يحمي قادته من كل سؤال، إنه مجتمعٌ قادرٌ على أن يختارهم ويسندهم وينتقدهم ويحاسبهم، وأن يضع لهم حدودًا.
في 2019 تحدّثنا عن كسر الصمت، وفي 2026 آن الأوان لنتحدّث عمّا يحدث في اليوم التالي: لا أن نصدّق النساء فحسب، بل أن نبني آليات تتحقّق وتحمي وتُصغي، وتُحمّل المسؤولية حيث يوجد أساسٌ لذلك.
هذه ليست نهاية الطريق، ونحن بعيدون حتى عن مشارف النهاية. لكن إذا أردنا قيادةً أفضل في المستقبل، فعلى أحد ما أن يبدأ برفع المعيار في الحاضر.
"متحرّش اعتزل" خطوةٌ في هذا الاتجاه. لا ضدّ القيادة العربية، بل من أجلها.
Comments